news-details
اشعار وخواطر

زمن نسي نفسه....

 


بقلم: عبد المجيد عبوبي

كنتُ أفتح كتاب المعري
فأجد الزمن جالسًا
في الصفحة المقابلة.

لم يكن مستعجلًا.

كان الموت
يضع يده على ركبته
وينظر.

وكان البحتري
يمرّ من نافذة القصيدة
بثوبٍ من ماء.

كل شيء
كان يأخذ وقته:

الليل،

القصيدة،

الحب،

حتى الحزن
كان يعرف كيف يجلس.

الآن
كل شيء يركض.

حتى الذين ماتوا
نركض بهم
إلى خبر آخر.

---

أصحو.

الهاتف
سبقني إلى الصباح.

مدينة كاملة
تدخل عيني
قبل أن أغسل وجهي.

حرب.

سوق.

امرأة.

طائرة.

جثة.

إعلان عن الحب.

ثم إصبع
يمحو العالم.

أي زمن هذا
الذي يستطيع فيه الإصبع
أن يقتل مدينة؟

---

كنت أقرأ ابن عربي
فأضيع في الله.

كنت أقرأ الحلاج
فأخاف على الكلمة
من جسدها.

أما اليوم
فالكلمة لا تخاف.

الكلمة مستهلكة.

تخرج من أفواهنا
نظيفة،

وتعود إلينا
مغطاةً بالدم.

نقول:

حرية.

حب.

سلام.

إنسان.

ثم نضع الكلمات
على الرف
ونغلق الباب.

---

الحب أيضًا
أصبح سريعًا.

لم يعد يحتاج
إلى طريق.

طريقه
إشارة خضراء
على شاشة.

امرأة تبتسم.

رجل يكتب:

أحبك.

ثم ينقطع الاتصال.

هكذا،

في زمن السرعة،

أصبح الحب
أقصر من كذبة.

---

أين ذهب العاشق؟

ربما في المصعد
يصعد إلى الطابق السابع.

ربما يفتح بريده.

ربما نسي
أن ينظر إلى وجهها.

ربما الحب نفسه
صار يخجل
من بطئه القديم.

---

العلم
ينحت في جسد الكون
بأظافر من ضوء.

يفتح الخلية.

يفكك الذرة.

يقترب من النجوم.

لكن الإنسان
كلما اقترب من الكون
ابتعد عن نفسه.

يعرف ماذا يوجد
في الجهة الأخرى
من المجرة،

ولا يعرف
لماذا يبكي
حين يبقى وحده.

---

أحيانًا
أظن أن المشكلة
ليست في أننا لا نعرف.

المشكلة
أننا نعرف كثيرًا.

المعرفة
صارت غبارًا.

يدخل العين
ويمنع الرؤية.

---

الموت وحده
لم يتغير.

ما زال يأتي
بخطواته القديمة.

لا هاتف له.

لا بريد إلكتروني.

لا حساب.

لا صورة.

يدخل الغرفة
ويطفئ الإنسان
كما تطفئ يدٌ
مصباحًا صغيرًا.

المعري
كان يعرف ذلك.

لذلك
كان يرى القبر
قبل أن يرى الطريق.

---

وأنا؟

أريد فقط
أن أجلس قليلًا.

دون شاشة.

دون خبر.

دون أحد.

أن أسمع
صوت الدم
وهو يصعد
إلى الرأس.

أن أعرف
هل ما زلت إنسانًا،

أم أنني تحولت
ببطء
إلى نافذة
يطل منها الآخرون
على أنفسهم.

---

الشعر؟

ربما لم يعد
عليه أن يصرخ.

العالم
أعلى منه.

لم يعد عليه
أن يشرح.

العالم
ممتلئ بالشروح.

ربما عليه فقط

للمرة الأولى
منذ زمن طويل،

لا يركض.

---

هناك
تبدأ القصيدة.

ليس في الكتاب.

ليس في الشاشة.

ليس في اللغة.

بل في تلك اللحظة
التي يتوقف فيها الإنسان
عن الهرب من نفسه.

لحظة واحدة فقط.

لكنها تكفي

لكي يصبح الزمن
عجوزًا،

وتصبح الكلمة
ثقيلة،

ويصبح القلب
أبطأ قليلًا،

ويستطيع الإنسان
أن يسمع

نفسه
وهي تشيب**.**

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا