سلسلة الوصايا الخالدة: "قراءة معاصرة في سورة لقمان المقال الثامن: الكِبْر… حين يرى الإنسان" نفسه أكبر من الحقيقة
".
بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
مقدمة: أخطر سقوط يبدأ من الداخل:
ليس أخطر ما يهدد الإنسان أن يفقد ماله، أو منصبه، أو مكانته الاجتماعية؛ وإنما أن يفقد قدرته على رؤية نفسه كما هي.
فقد يملك الإنسان علمًا كثيرًا، ثم يفسده الكِبْر.
وقد يمتلك منصبًا كبيرًا، ثم يهدمه الغرور.
وقد يكون صاحب موهبة عظيمة، ثم تتحول موهبته إلى حجاب يمنعه من التعلم.
ولهذا كان الكِبْر من أخطر أمراض القلوب؛ لأنه لا يجعل الإنسان يرفض الحق فقط، بل قد يجعله يرى رفض الحق دليلًا على قوته واستقلاله.
وفي وصايا لقمان لابنه تأتي التربية القرآنية العميقة:
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾[لقمان: 18].
إنها ليست مجرد وصية في آداب المشي أو التعامل، وإنما منهج لبناء شخصية متوازنة تعرف قدرها دون أن تتعالى على الآخرين.
أولا: ما الكِبْر؟:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه "قال :قال رسول الله ﷺ:
«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر».(رواه البخاري ومسلم).
ثم بيّن ﷺ حقيقة الكبر عندما قال:
«الكِبْر بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناس».
وهنا نكتشف أن الكبر ليس مجرد مشية متعالية أو كلمات متغطرسة.
إنه مرض مركب من أمرين:
رفض الحق، واحتقار الناس.
قد يرفض الإنسان النصيحة لأنه يعتقد أنه لا يحتاج إلى أحد.
وقد يرفض الاعتذار لأنه يرى الاعتذار انتقاصًا من شخصيته.
وقد لا يعترف بخطئه لأن صورته أمام الآخرين أصبحت أهم عنده من الحقيقة.
وهنا يبدأ الخطر.
ثانيا: الكِبْر ليس هو الثقة بالنفس:
هناك فرق عظيم بين:
الثقة بالنفس والكِبْر.
الثقة بالنفس تقول:
أستطيع أن أتعلم وأتطور.
أما الكبر فيقول:
أنا أعرف كل شيء.
الثقة تقول:
لدي قدرات.
والكبر يقول:
أنا أفضل من الآخرين.
الثقة تقبل النقد.
والكبر يراه إهانة.
الثقة تجعل الإنسان يتقدم.
أما الكبر فيغلق أبواب التعلم.
ولهذا فالشخصية المتوازنة لا تحتقر نفسها، ولا تعظم نفسها فوق حقيقتها.
ثابثا: كيف يبدأ الكِبْر؟:
الكبر غالبًا لا يأتي فجأة.
قد يبدأ بنجاح صغير.
ثم يتحول النجاح إلى إعجاب.
ثم يتحول الإعجاب إلى شعور بالاستعلاء.
ثم يبدأ الإنسان في مقارنة نفسه بالآخرين.
ثم لا يرى إلا أخطاءهم.
ثم يتوقف عن رؤية أخطائه.
وهنا يتحول النجاح من نعمة إلى اختبار.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾
فالمشكلة ليست في أن تكون ناجحًا، وإنما في أن يتحول نجاحك إلى وسيلة لاحتقار الآخرين.
رابعا: صور الكِبْر في عصرنا:
الكبر اليوم لم يعد مرتبطًا بالمال وحده.
هناك:
1)كِبْر المال:
أن يرى الغني نفسه أفضل من الفقير.
2)كِبْر المنصب:
أن يتعامل المسؤول مع الناس وكأن المنصب ملك شخصي.
3) كِبْر العلم
أن يظن المتعلم أنه لا يحتاج إلى التعلم من غيره.
4) كِبْر العمر والخبرة
أن يقول الإنسان ضمنيًا:
أنا أكبر منك، ولذلك فأنا أعرف منك دائمًا.
5) كِبْر المكانة الاجتماعية:
أن يحكم الإنسان على الآخرين من خلال أسرهم أو وظائفهم أو أموالهم.
6) الكبر الديني:
وهذا من أخطر صوره، حين يتحول الالتزام إلى وسيلة للحكم على الناس واحتقارهم.
فالإنسان قد يعبد الله، ثم يفسد عبادته عندما يرى نفسه أفضل من عباد الله.
خامسا: كِبْر العلم ،والثقافة:
من أخطر أنواع الكبر أن يتحول العلم من وسيلة لاكتشاف الحقيقة إلى وسيلة لإثبات أنني دائمًا على حق.
العالم الحقيقي يقول:
كلما تعلمت أدركت كم أجهل.
أما المتكبر فيقول:
تعلمت؛ ولذلك لا أحتاج إلى أحد.
ولهذا كان العلماء الكبار أكثر الناس تواضعًا؛ لأن العلم الحقيقي يكشف للإنسان اتساع دائرة المجهول.
ومن أجمل المعاني المنسوبة إلى الإمام الشافعي رحمه الله:
«كلما ازددت علمًا ازددت علمًا بجهلي.»
إنها قاعدة تربوية عظيمة:
العلم الذي لا يزيدك تواضعًا قد يتحول إلى حجاب.
سادسا:: الكِبْر في القيادة:
القائد المتكبر يصنع حوله الصمت.
والقائد المتواضع يصنع حوله الإبداع.
لأن الموظف أو التلميذ أو الشريك عندما يخاف من الاعتراف بالخطأ، سيخفي المشكلة.
أما عندما يشعر بالأمان، فسوف يقول:
أخطأت… وأحتاج إلى المساعدة.
وهنا تبدأ القيادة الحقيقية.
القائد العظيم لا يحتاج إلى أن يثبت كل يوم أنه القائد.
بل تكفي أخلاقه وعدالته وحكمته.
وقد قال جون ماكسويل في معنى القيادة إن الناس لا يهتمون بمدى معرفتك حتى يعرفوا كم تهتم بهم.
ولهذا فإن التواضع القيادي ليس ضعفًا، وإنما ذكاء إنساني واستراتيجي.
سابعا: الكِبْر داخل الأسرة:
قد يدخل الكبر إلى البيت في صورة أكثر هدوءًا:
الأب الذي لا يعتذر لابنه.
الأم التي ترفض الاعتراف بخطئها.
الزوج الذي يرى الاعتذار هزيمة.
الزوجة التي تجعل التراجع عن موقفها مستحيلًا.
والنتيجة؟
يتحول البيت من مساحة للمودة إلى ساحة لإثبات من الأقوى.
والتربية الناضجة تعلمنا أن الاعتذار لا يُسقط هيبة الوالد، وإنما يعلّم الأبناء أن الرجوع إلى الحق فضيلة.
ثامنا: لماذا لا يرى المتكبر مرضه؟:
لأن الكبر يصنع داخل النفس ما يمكن تسميته:
«وهم التفوق الدائم».
المتكبر يفسر نجاحه بأنه دليل على عبقريته.
وفشل الآخرين بأنه دليل على ضعفهم.
أما فشله الشخصي فيبحث له عن أعذار.
ولهذا فإن أول خطوة في العلاج هي:
أن يتعلم الإنسان أن يسأل نفسه:
هل يمكن أن أكون مخطئًا؟
هذا السؤال البسيط قد ينقذ الإنسان من سنوات طويلة من الوهم.
تاسعا: التواضع ليس ضعفًا:
هناك خطأ تربوي شائع:
أن بعض الناس يعتقدون أن المتواضع شخص ضعيف.
والحقيقة عكس ذلك.
الضعيف يحتاج إلى استعراض قوته.
أما القوي فلا يحتاج إلى الاستعراض.
المتواضع يستطيع أن يقول:
لا أعلم.
ويستطيع أن يقول:
أخطأت.
ويستطيع أن يقول:
أحتاج إلى مساعدتك.
وهذه ليست علامات ضعف، وإنما علامات نضج نفسي.
عاشرا: المنهج اللقماني في علاج الكِبْر:
تأتي الوصية:
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾
ثم:
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾
ثم:
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾
[لقمان: 18-19]
إنه منهج تربوي متكامل.
فلقمان لا يعالج القلب بالكلام فقط، بل يربط:
القلب بالسلوك، والسلوك بالشخصية، والشخصية بالمجتمع.
فالإنسان المتواضع يظهر تواضعه في:
كلامه.
نظراته.
مشْيته.
تعاملاته.
استماعه.
اعتذاره.
قبوله للنصيحة.
واحترامه للآخرين.
الحادي عشر: كيف نربي أبناءنا على القوة والتواضع؟:
علينا أن نعلّم أبناءنا:
أن التفوق لا يعني احتقار الآخرين.
أن النجاح مسؤولية وليس امتيازًا مطلقًا.
أن الاعتذار شجاعة.
أن قبول النصيحة قوة.
أن الفشل ليس عارًا.
أن الناس يتفاوتون في المواهب، لكن قيمة الإنسان الأخلاقية لا تُبنى على المال والمنصب والشهرة.
وأهم من ذلك كله:
أن يرى الطفل والده متواضعًا.
فالطفل لا يتعلم التواضع من المحاضرات فقط؛ بل يتعلمه من النموذج الذي يراه أمامه.
الثاني عشر: برنامج عملي لعلاج الكِبْر:
إذا أردت أن تختبر نفسك، جرّب هذه الخطوات:
1) تعلّم أن تقول: لا أعلم.
2) اعتذر عندما تخطئ.
3) استمع لمن يخالفك.
4) اشكر من ينتقدك بصدق.
5) اجلس مع من هم أقل منك في المال أو المكانة.
6) تذكر أصل الإنسان وضعفه.
قال تعالى:
﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾
[طه: 55]
7)تذكر أن كل نعمة قابلة للزوال.
8) اجعل نجاحك وسيلة لخدمة الآخرين.
9) اسأل نفسك كل ليلة:
هل ظلمت أحدًا اليوم بسبب غروري؟
10)اجعل التواضع عبادة وسلوكًا يوميًا.
ومضة شعرية:
يا مَن تَرى نفسَكَ فوقَ الورى
رويدَكَ… فالفضلُ فضلُ الإلهْ
وكم من عزيزٍ علا في الحياةِ
فأصبحَ بعدَ العلوِّ حُفَاهْ
فلا المالُ يبقى، ولا الجاهُ يبقى
ولا المجدُ يحمي إذا جاءَ آهْ
تواضعْ تكن في القلوبِ عظيمًا
فإنَّ التواضعَ تاجُ النُّبَلْ
ومن يرفعُ النفسَ فوقَ العبادِ
يذقْ مرارةَ الوهمِ حينَ يَزُلْ
الخاتمة: كن كبيرًا… دون أن تتكبر
يا صديقي…
ليس المطلوب أن تصغر نفسك.
بل المطلوب أن تعرف حجمك الحقيقي.
كن قويًا دون ظلم.
كن عالمًا دون غرور.
كن قائدًا دون استعلاء.
كن غنيًا دون احتقار.
كن ناجحًا دون أن تنسى من أعانك.
واجعل كل نعمة تحصل عليها سببًا لخدمة الناس لا لاحتقارهم.
إن أعظم القادة ليسوا أولئك الذين جعلوا الناس ينحنون أمامهم، وإنما أولئك الذين جعلوا الناس يقفون أقوى بسببهم.
وتبقى وصية لقمان خالدة عبر الأجيال:
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾
فالكِبْر قد يرفع الإنسان في أعين نفسه لحظات،
لكن التواضع يرفعه في قلوب الناس سنوات.
ومن عرف قدره، عرف كيف يحترم أقدار الآخرين.
وهذه هي إحدى أعظم الوصايا التي يحتاجها الإنسان في عصر الشهرة والمنافسة والاستعراض.
المراجع العربية:
١)القرآن الكريم، سورة لقمان.
٢)البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب المتكبرين.
٢)مسلم، مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه.
٣)ابن كثير، إسماعيل بن عمر. تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة لقمان.
٤)الطبري، محمد بن جرير. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير سورة لقمان.
٥)القرطبي، محمد بن أحمد. الجامع لأحكام القرآن، تفسير سورة لقمان،
٦)ابن عاشور، محمد الطاهر. التحرير والتنوير، تفسير سورة لقمان.
٧)الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين، كتاب ذم الكبر والعجب.
٨)ابن القيم، محمد بن أبي بكر. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، منزلة التواضع وذم الكبر.
٩)ابن رجب الحنبلي، عبد الرحمن بن أحمد. جامع العلوم والحكم.
التعليقات الأخيرة