news-details
مقالات

مأزق واشنطن الإستراتيجي في الصراع مع طهران ومعضلة الخيارات المستحيلة..!!

 


غيث العبيدي ـ ممثل مركز تبيين للتخطيط والدراسات الإستراتيجية في البصرة.

▪️المقدمة:

أنتقل الصراع (الأمريكي-الإيراني) من منطق أقصى الضغوط، إلى منطق إدارة الأستنزاف، فلم تعد واشنطن تبحث عن نصر حاسم، بل عن مخرج لا تبدو فيه مهزومة. 

وجوهر المأزق هو أن كل الخيارات المتاحة أمام واشنطن، تؤدي إلى خسارة إستراتيجية كبيرة، سواء كان الخيار الحرب أو التفاوض، أو الاستمرار في الوضع الراهن، وقد تجسد هذا المأزق عملياً في محاولتين للتصعيد العسكري في حرب الـ12 يوم و حرب الـ40 يوم دون تحقيق نصر واضح.

أولاً: جذور المأزق - فشل فرضية أقصى الضغوط.

قامت الإستراتيجية الأمريكية منذ 2018 على معادلة
`العقوبات القصوى والعزلة الدولية والتهديدات عسكرية بدواع الأنهيار الإيراني أو تغيير سلوك`نظامها السياسي،
والنتائج كانت عكسية جملة وتفصيلاً ومن أهمها..

1️⃣. نووياً، رفعت إيران التخصيب إلى 60% وقلصت عدد المفتشين وفقأت عيون المراقبة.

2️⃣. إقليمياً، عززت  ساحات محور المقاومة ودقت الصواريخ ونوع المسيرات.

3️⃣. إقتصادياً، بنت تحالفات بديلة مع الصين وروسيا وتكيفت مع العقوبات.
والنتيجة، لم تنهار إيران، لكن انهارت اغلب خيارات واشنطن.

ثانياً: معضلة الخيارات المستحيلة - المسارات المسدودة.

1️⃣. خيار الحرب الشاملة، بنصر غير قابل للتحقيق
وتكلفة بشرية وإقتصادية هائلة، وتداعيات إغلاق مضيق هرمز، وغياب التفويض الداخلي والدولي، فأستطاعت  أمريكا البدء، لكن لم يعد بأستطاعتها تحديد النهاية.

2️⃣. خيار العودة للاتفاق هو إعتراف بالهزيمة السياسية 
وهذا يعني الإعتراف بفشل 6 سنوات من الضغط، وتقديم التنازلات مع رفع سقف المطالب الإيرانية، هو مكسب تكتيكي لطهران، وخسارة إستراتيجية لواشنطن.

3️⃣.  خيار الأستنزاف البارد أو الأزمة بلا أفق، وهذا يعني أن كل العقوبات  والضربات والحرب السيبرانية، أعطت نتائج عكسية ومنحت إيران وقت للتطور والازدهار، والمستنزف الوحيد في هذا الصراع هي أمريكا.

 ثالثاً: التجلي العملي للمأزق - الحربان بلا نصر.

تجسد المأزق الأمريكي ميدانياً في محاولتين للتصعيد المحدود وأنتهت كلليهما بلا أهداف أمريكية.

????حرب الـ12 وتمثلت في تبادل ضربات مباشرة ومحدودة الزمن بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران وساحات محور المقاومة من جهة أخرى، وهدف واشنطن هو فرض معادلة ردع جديدة، و إعادة هيبة الردع الأمريكي.

والنتيجة، لم يتم تحقيق تفوق جوي واضح أو تدمير بنية تحتية حاسمة، وأنتهت الحرب بتثبيت قاعدة جديدة لصالح طهران "الضربة مقابل الضربة“ وتبين أن الرد الإيراني المباشر أصبح قاعدة مقبولة، وليس خطاً أحمر لدى الأمريكان.

????حرب الـ40 يوم أو حملة تغيير النظام السياسي في إيران، وتمثلت في ضربات جوية وبحرية أمريكية مكثفة ضد أهداف أي إيرانية وأخرى مرتبطة بإيران، استمرت 40 يوماً، أستشهد على أثرها الولي الفقية السيد علي الخامنئي رضوان الله عليه مع ثلة من رفاقه السياسيين والعسكريين، وهدف واشنطن هذه المرة، تغير النظام وكسر قدرة محور المقاومة على تهديد الملاحة والقواعد الأمريكية.

والنتيجة، لم يسقط النظام ولم تتوقف الهجمات ولم يتم تفكيك القدرات، بل تم أستيعاب الضربات وأستمرار العمليات بوتيرة تصاعدية، وأنتهت الحملة دون تغيير حتى في قواعد الأشتباك، ولم تحسم المعركة ولم يعلن النصر الأمريكي.

في الحالتين، لم تحقق واشنطن أهدافها المعلنة، وأرتفعت كفة إيران في الكثير من الجولات، وتعمق المأزق الأمريكي وثبت بالدليل العقلي والنقلي بأن القوة الأمريكية غير كافية للحسم، وأن كلفة الإستمرار أعلى من كلفة التراجع.

 رابعاً: القيود البنيوية التي تغلق الأفق.

1️⃣. قيود المصداقية، فالتراجع الامريكي يعني الضعف والتصعيد يعني التهور، فلا توجد منطقة وسطى مقنعة للداخل الأمريكي.

2️⃣. قيود الأولويات، البنتاغون يريد التركيز على الصين، لكن إيران تفرض نفسها كأزمة مفتوحة في غرب آسيا.

3️⃣. قيود غياب رؤية "اليوم التالي“ فلا تصور أمريكي لما بعد الحرب، فلم يسقط النظام، ولم تحدث الفوضى، ولم يتغير السلوك، والتهديد مازال على أشده.

▪️ الخاتمة: من إستراتيجية الحسم إلى إستراتيجية إدارة المأزق.

ما بعد حرب ”الـ12 يوم و حرب الـ40 يوم“ أصبح من الواضح أن واشنطن لم تعد تملك أدوات النصر، ولا تملك ترف الهزيمة، وقد دخلت في المرحلة الثالثة في إدارة الصراع لا حسمه، والهدف الآن هو منع إيران من تحقيق إنتصار إستراتيجي، ومنع نفسها من الانجرار لحرب إقليمية.

وتعريف المأزق، هو تلك القوة العظمى العالقة في صراع لا تربحه أو تحسمه، ولا تستطيع الخروج منه.

والعقد القادم في هذا الصراع ليس من سينتصر فيه، بل من سيقبل أولاً بمعادلة تعايش ردعي جديدة؟

وبكيف الله.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا