news-details
مقالات

هل حررتنا الحداثة أم استعبدتنا؟ الحلقة الثالثة: التشريع الشعبي

كتب رياض الفرطوسي


تزرع الدولة الحديثة في أذهاننا انطباعاً بأن التشريع والقانون هما منتجان حصريان لأجهزة السلطة، وأنه لا يمكن تنظيم المجتمع إلا عبر هيمنة مركزية. غير أن قراءة التاريخ التشريعي للشرق تكشف عن تجربة مدنية فريدة، استطاع فيها المجتمع إدارة نفسه وبناء قوانينه بمعزل عن استبداد السلطة السياسية.

في الحضارة العربية والإسلامية، لم يولد الفقه والقانون في قصور الحكام، بل نبت في أروقة الأسواق وحلقات المساجد. كان الفاعلون الأساسيون في تشكيل المنظومة التشريعية ( من فقهاء ومجتهدين ) يمارسون مهناً وحرفاً مستقلة؛ فكانوا تجاراً، وصناعاً، وعطارين. هذا الاستقلال الاقتصادي منحهم حصانة فكرية وأخلاقية جعلت التشريع درعاً لحماية المجتمع والفرد، وليس أداة لخدمة السلطان.

كانت المؤسسات الأهلية والأوقاف تمول الصحة، والتعليم، والتكافل الاجتماعي بصورة مستقلة تماماً. قارن هذا الواقع ببنية القانون في العصر الحديث، حيث تُرسم التشريعات والقوانين في كواليس البرلمانات تحت ضغوط لوبيات الشركات المالكة لرأس المال، ليتحول القانون من أداة لإقامة العدل إلى وسيلة لحماية مصالح السوق.

إن استعادة هذه الرؤية تمنحنا مرجعاً فكرياً يثبت أن المجتمعات ليست بحاجة إلى سلطة شمولية لكي تنظم حياتها، وأن قوة المجتمع المدني المستقل أخلاقياً واقتصادياً هي الضمانة الوحيدة لمنع تغول السلطة وتجار المادة.

في الحلقة القادمة: سنصطدم بأكبر تناقض فكري معاصر، ونجيب عن السؤال الشائك: لماذا تُعد محاولة صب المنظومة الأخلاقية التراثية داخل جهاز "الدولة الحديثة" مغامرة محكومة بالفشل البنيوي؟

هل حررتنا الحداثة أم استعبدتنا؟

الحلقة الثالثة: التشريع الشعبي

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا