أطروحة اتحاد القبائل العراقية من فطرة التحرر الإنساني إلى حماية رأس المال وبناء الدولة
إعداد/ رئيس إتحاد القبائل العراقية
عدنان صگر الخليفه
إن البحث في شؤون المجتمع العراقي ومساراته التاريخية والسياسية يتطلب منا ابتداءً أن نرفع كل أشكال التجيير المذهبي أو الطائفي عن الرموز الرسالية الجامعة التي أضاءت تاريخ هذه الأمة. إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وسبط النبي الأكرم الإمام الحسين، وآل بيت النبوة الأطهار، وصحابة الرسول المنتجبين الأبرار الذين تبعوا نهج الحق، ليسوا ملكاً لفئة أو طائفة بعينها، بل هم قادة الفكر الحر والعدل الإلهي للإنسانية جمعاء. وإن أي رؤية إصلاحية حقيقية لا بد أن تنطلق من استعادة الكرامة الفطرية التي خلق الله الإنسان عليها، وتحرير العقل العراقي من دياجير التبعية المطلقة والتضليل الممنهج، لننتقل بمجتمعنا من الانفعال العاطفي إلى البناء الدستوري والمؤسساتي الرصين.
فطرة الحرية والغاية من الخليقة
إذا رجعنا إلى أصل الخليقة الأولى حين خلق الله سبحانه وتعالى أبا البشرية آدم عليه السلام، نجد أن الحكمة الإلهية أودعت في هذا المخلوق هبة العقل والقدرة على الاختيار الحر ليكون مناط التكليف والمسؤولية. ولم تكن الجنة والسكنى فيها والأكل من الشجرة سوى محطة إعداد وتدريب أولى، إذ إن المقصد الإلهي الذي أعلنه الباري جل وعلا كان الخلافة في الأرض وتعميرها بوعي وإرادة حرة مستنيرة. إن الله سبحانه وتعالى خلق منظومة الأسباب والسنن الكونيات، وترك للإنسان حرية المسار وتوجيه الإرادة، مما يجعله مسؤولاً مسؤولية كاملة عن أفعاله ونتائج قراراته. ومن هنا فإن استعادة التحرر الداخلي هي العودة الصادقة إلى أصل الفطرة الإلهية التي أوجد الله الإنسان عليها حراً عزيزاً لا يقبل الضيم ولا يخضع للباطل.
ذروة التحرر الإنساني في المنهج الرسالي
تجلى الانعتاق الإنساني المطلق في أعلى مراتبه حين قاد الإمام الحسين بن علي عليهما السلام نهضته المباركة، حيث قدم للعالم أنموذجاً فريداً في الرضا والتسليم للإرادة الإلهية، والتمسك بالمبدأ الرسالي الجامع برفض الطغيان مهما كانت التضحيات. إن تلك الحركة لم تكن حركة عشوائية، بل كانت رسالة بصيرية كشفت زيف السلطة الغاشمة، وأثبتت للبشرية أن صيانة كرامة الإنسان ودينه أعظم من كل المظاهر والدنيويات الزائلة. ومما يعمق هذا المعنى أن الإمام الحسين أطلق بيعة أصحابه ليلة العاشر ليعلم الأجيال أن أسمى أشكال الاتباع والولاء للحق هو ما ينبع من بصيرة كاملة وحرية اختيار واعية، لا من إكراه أو تبعية أعمى، مستلهماً في ذلك روح الرسالة المحمدية الأولى التي جاءت لتحرر الإنسان من أغلال العبودية لخلق الله.
مأساة الواقع الاجتماعي والاغتراب المباشر
عند دراسة الشخصية الاجتماعية في العراق المعاصر، نجد أنفسنا أمام مفارقة مؤلمة وتناقض صارخ بين الشعارات والممارسات؛ حيث يسير الملايين بأقدامهم كل عام تحسّراً وعشقاً لحرية الحسين ورسالة نهضته، لكنهم في واقع حياتهم اليومية والسياسية يُسلِمون عقولهم وإرادتهم لطبقة استأثرت بالمقادير ومارست ذات السلوكيات التي خرجت النهضة الرسالية لرفضها. لقد أدى هذا الفصام إلى تحوير النهضة الشريفة من مشروع تغيير وإصلاح ورفض صارم للفساد، إلى مجرد طقس شكلي يُفرغ فيه الإنسان شحنته العاطفية ثم يعود لمهادنة الواقع الفاسد. إن غياب التحرر الداخلي وجّه العقل الجمعي نحو عبودية اختيارية جديدة تمثلت في تقديس أصحاب القصور والمليارات الذين أثروا ثراءً فاحشاً ومفاجئاً على حساب قوت الشعب ومقدراته.
الحجة القاطعة وتفكيك الشرعية المزيفة
إن التحليل الموضوعي لواقع الطبقة السياسية يكشف كيف شُيّد هذا النفوذ بالمال السياسي المسروق، ومُهدت القصور باسم المقدسات والدين، مما أدى لتزييف وعي الناس وخلط الحق بالباطل. غير أن هناك حجة ناصعة ومحكاماً مستقيماً يُسقط كل هذه الأقنعة والمزاعم؛ ومفاد هذه الحجة يتلخص في التساؤل المباشر: إن كنتم تصرون على أنكم أتيتم بشرعية الشعب العراقي وإرادته، فلماذا تخشون الاحتكام المباشر إلى هذا الشعب عبر قواعد لعبة عادلة ودائرة انتخابية واحدة؟ إن الإصرار على رفض التعديلات الانتخابية، والامتناع عن تفعيل قانون الأحزاب، هو اعتراف صريح وضمني بأن شرعية هذه الطبقة قامت على الالتفاف والمحاصصة وتشتيت الإرادة الوطنية، وليس على ثقة الأمة واختيارها الحر.
الرؤية الإصلاحية الهيكلية لبناء الدولة
إن الخروج من هذه الأزمة الدائمة لا يتم عبر الحلول الترقيعية، بل عبر رؤية إصلاحية هيكلية تطال بنيان الدولة وقوانينها الأساسية. وتتحقق هذه الرؤية أولاً بتبني نظام الانتخاب المباشر لرئاستي الوزراء والجمهورية عبر دائرة انتخابية واحدة شاملة لكل العراق، مما ينهي عهد الصفقات والمحاصصة في الغرف المغلقة، ويُجبر المسؤول على مخاطبة الشعب العراقي كأمة واحدة بلا تخندق طائفي أو مناطقي ضيق. ويقترن ذلك بإيجاد توازن دقيق بين السلطات يمنح الصلاحيات التنفيذية اللازمة لإدارة الدولة مع تفعيل رقابة برلمانية صارمة، وتطبيق حازم لقانون الأحزاب يمنع المال المشبوه والسلاح السياسي. وعلى رأس هذه المقومات جميعاً، يقف الحفاظ على استقلال السلطة القضائية وحيادها التام عن التجاذبات السياسية لتكون صمام الأمان الأخير للعدالة وسيادة القانون.
الوعي الجمعي بديل التظاهرات الفوضوية
إن التجربة التاريخية والاجتماعية أثبتت أن التظاهرات الحماسية والعارمة، على الرغم من كونها حقاً مكفولاً، غالباً ما تتعرض للاخترق والتوجيه من قبل جهات وأجندات مرسومة تسعى لاستغلال غضب الشارع لإيصاله إلى نتائج أُعدت مسبقاً لصالح قوى النفوذ، أو الزج بالشباب في صدامات ودماء لا طائل منها. ومن هنا فإن التغيير الحقيقي والآمن لا يتطلب فوضى عارمة، بل يتطلب بناء وعي جمعي حقيقي تقوده النخب والحكماء وشيوخ العشائر الأصلاء، ويكون مركزاً وموجهاً نحو مطلب هيكلي وتأسيسي واحد، ألا وهو تغيير القوانين الانتخابية وتفعيل قانون الأحزاب. إن التركيز على التعديل القانوني والدستوري هو اللبنة الأساسية التي تسحب البساط من تحت أقدام المتكسبين بدماء الناس، وتضع قطار الإصلاح على سكته الصحيحة.
الشعب هو رأس المال ورفض التضحية المجانية
حين ننظر إلى المفاهيم الاقتصادية والاجتماعية التي تقوم عليها الدول والشعوب، نصل إلى حقيقة مطلقة لا مرية فيها، وهي أن رأس المال الحقيقي والوحيد في العراق ليس النفط ولا الثروات المادية الصامتة، بل هو الإنسان العراقي بدمه، وعقله، وجهده، ومستقبل أبنائه. وبناءً على هذه الحقيقة، يتوجب إنهاء المعادلة الظالمة التي طالبت العراقي دائماً بالتضحية بالدماء، وتحمل البؤس، والتحلي بالصبر، لكي يجني الساسة القصور والمليارات والامتيازات الخاصة على حساب هذا الفقر والتشريد. إن الواجب الوطني والأخلاقي يحتم على هذا الشعب أن يدير رأس ماله بذاته، وأن يمتنع عن تسليم دماء أبنائه وثروات بلاده لمن يستغلها، فلا يسير إلا خلف من يدعوه لوضع قوانين فعلية تصون كرامته وتحمي مقدراته من الهدر والضياع.
تصحيح المفهوم الرسالي من الانكسار إلى البطولة
من الضروري بمكان تصحيح المفهوم المتداول في الشارع العراقي حول النهضة الحسينية؛ فالإمام الحسين عليه السلام لم يخرج ليكون مجرد دمعة تُسكب أو غصة تُستدر بها الشفقة والبكاء، بل خرج كقائد بطل وصاحب مشروع إنساني ورسالي محكم، ينتمي لمدرسة جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ويعرف أهدافه ونهاية مسيرته بدقة. إن اختصار هذه النهضة الخالدة في مظاهر البكاء والإطعام فقط هو تفريغ أريد به إدخال المجتمع في غيبوبة فكرية تجعله يرضخ للظلم والبؤس ظاناً أن الاستكانة هي جوهر الدين. إن الوفاء الحقيقي لنهج المدرسة المحمدية وآل البيت والصحابة الأبرار لا يكون بالاستكانة للفاسدين، بل بتمثل شجاعتهم في إعمال العقل، والتمييز بين الحق والباطل، والمطالبة الحازمة بإصلاح الواقع والقوانين لصيانة كرامة الإنسان.
استثنائية المقامات الرسالية ورفض التشبيه المزيف
ختاماً، إن من أشكل صور التجهيل وتزييف الوعي المجتمعي هو ما يحدث أحياناً من تشبيه لبعض الشخصيات السياسية والرموز المعاصرة بقادة المدرسة الرسالية الأولى. إن المقامات والصفات التي مُنحت لآل بيت النبوة، ككون علي بن أبي طالب نفساً للنبي صلى الله عليه وآله بنص القرآن الكريم في آية المباهلة، وكون الحسن والحسين سيدَي شباب أهل الجنة بنص الوحي النبوي الشريف، فضلاً عن المقامات العالية للصحابة المنتجبين، هي منازل وتكليفات إلهية خاصة لا تقبل التكرار ولا التشبيه البشري. إن إطلاق مسميات من قبيل حسين العصر أو التشبيه بجمهرة الصحابة على أشخاص معاصرين يصيبون ويخطئون ويسعون للمناصب، هو مخالفة صريحة للقرآن الكريم والسنة النبوية ولأحكام العقل السليم. إن القيادات السياسية هي مواقع بشرية خاضعة للمحاسبة والنقد والنظر في نزاهتها، ولا يجوز إسباغ أي قدسية عليها أو المتاجرة بالمقدسات الرسالية لتمرير المصالح الشخصية والحزبية.
خاتمة الأطروحة
إن اتحاد القبائل العراقية، إذ يضع هذه الأطروحة بأسلوبها التحليلي والرصين أمام أبناء الشعب العراقي ونخبه المفكرة، يؤكد أن الطريق إلى التغيير الحقيقي يبدأ من تحرير العقل وإحياء الفطرة التي خلقنا الله عليها أحراراً. وإن حماية هذا الوطن وصيانة ثرواته ودمائه تقتضي منا جميعاً الالتفاف حول مطالب القوانين العادلة والانتخاب المباشر، لننتقل بعراقنا العظيم من سلطة المحاصصة والعبودية السياسية إلى رحاب الدولة الرشيدة والمواطنة الكاملة.
9 اب 2026
التعليقات الأخيرة