الوصايا الخالدة: "قراءة معاصرة في سورة لقمان" المقال التاسع:أدب الحوار وجمال الخطاب
"
بقلم /الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة :من حكمة لقمان إلى ثقافة التواصل في عصر الصراخ:
حين يصبح الكلام جسرًا، أو جدارًا
ليست الكلمات أصواتًا عابرة تخرج من أفواهنا ثم تنتهي؛ إنما هي رسائل تحمل مشاعرنا، وتكشف أخلاقنا، وتصنع صورتنا في قلوب الآخرين.
قد تبني كلمةٌ إنسانًا، وقد تهدمه كلمة.
وقد تصلح عبارةٌ علاقةً أو تفسدها.
وقد يكون الحوار بابًا إلى الحقيقة، وقد يتحول إلى معركةٍ لا ينتصر فيها أحد.
وفي زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي ساحةً مفتوحة للكلمة، وانتشرت فيه سرعة الرد، وثقافة التعليق، والمجادلات الحادة، أصبحنا أكثر حاجةً إلى العودة إلى أدب الحوار وجمال الخطاب.
ومن أعظم النماذج القرآنية في ذلك حوار لقمان مع ابنه؛ ذلك الحوار الذي جمع بين الحب والحكمة، والرحمة والتوجيه، والوضوح والجمال.
قال تعالى:﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾،[لقمان: 13]
تأملوا النداء: ﴿يَا بُنَيَّ﴾.
لم يبدأ لقمان بالصراخ، ولا بالتوبيخ، ولا بالإهانة، وإنما بدأ بالحب.
وهنا تبدأ فلسفة الحوار.
أولًا: الحوار الناجح يبدأ من القلب قبل اللسان:
قبل أن تسأل: ماذا سأقول؟
اسأل نفسك:
بأي قلب سأقول؟
فالكلمات قد تكون واحدة، لكن أثرها يختلف باختلاف المشاعر التي تحملها.
هناك من ينصح لأنه يحب، وهناك من ينصح لأنه يريد أن ينتصر.
الأول يفتح القلوب، والثاني يغلقها.
ولهذا جاء الخطاب القرآني في قصة لقمان مشبعًا بالمحبة:
﴿يَا بُنَيَّ﴾
إنها كلمة صغيرة في حجمها، عظيمة في أثرها.
فالحوار التربوي لا يقوم على السيطرة، وإنما على بناء الثقة.
والإنسان غالبًا لا يرفض النصيحة لأنها خاطئة، وإنما قد يرفضها بسبب الطريقة التي قُدمت بها.
ثانيًا:جمال الخطاب لا يعني ضعف الموقف:
من الأخطاء الشائعة أن يظن الإنسان أن اللطف يعني التنازل عن المبادئ.
ليس الأمر كذلك.
يمكن أن تكون حازمًا دون أن تكون قاسيًا.
ويمكن أن تختلف دون أن تهين.
ويمكن أن ترفض الفكرة دون أن تجرح صاحبها.
قال تعالى:﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾،[طه: 44]
والآية في خطاب موسى وهارون عليهما السلام لفرعون، وهو من أعظم أهل الطغيان.
فإذا كان الخطاب اللين مأمورًا به مع فرعون، فكيف يكون خطابنا مع الأبناء، والآباء، والأزواج، والزملاء، والمخالفين؟
إن القوة الحقيقية ليست في ارتفاع الصوت، وإنما في القدرة على التحكم فيه.
ثالثًا: لا تجعل الحوار معركة لإثبات الذات:
بعض الناس يدخل الحوار وهو لا يبحث عن الحقيقة، وإنما يبحث عن الانتصار.
يريد أن يقول:
أنا على حق، وأنت مخطئ.
ولو ظهرت له الحقيقة من الطرف الآخر، رفضها لأن الاعتراف بها يشعره بأنه خسر.
وهنا يتحول الحوار من وسيلة للوصول إلى الحقيقة إلى وسيلة لإثبات الأنا.
وقد قيل:
"ما جادلني جاهل إلا وغلبني، وما جادلني عالم إلا وغلبته."
والمعنى أن صاحب العلم يبحث عن الحقيقة، أما من جعل الحوار معركةً للانتصار فقد يغلب الناس بالصوت، لكنه يخسر الحقيقة.
والقرآن يضع لنا قاعدة عظيمة:
﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[النحل: 125]
لم يقل: جادلهم بما يكسِرهم.
بل قال:
﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
فالاختلاف لا يبرر سوء الأدب.
رابعًا:اختيار الوقت جزء من حكمة الحوار:
ليست كل لحظة مناسبة للنصيحة.
قد تكون النصيحة صحيحة، لكن توقيتها خاطئ.
وقد تكون الكلمة جميلة، لكن قيلت في لحظة غضب.
ولهذا يحتاج الحوار الناجح إلى ثلاثة أشياء:
كلمة مناسبة ، أسلوب مناسب ،وقت مناسب.
ومن الحكمة ألا تناقش إنسانًا في قمة غضبه، ولا تقدم نصيحةً لشخص يشعر بالإهانة أمام الآخرين، ولا تفتح قضية حساسة في لحظة توتر.
الحكيم لا يسأل فقط:
ماذا أقول؟
بل يسأل:
متى أقول؟ وكيف أقول؟ وأمام من أقول؟
خامسًا: الاستماع نصف الحوار:
من أكبر أخطاء التواصل أن نسمع الكلمات دون أن نفهم الإنسان.
قد يكون خلف الغضب خوف.
وخلف الصمت ألم.
وخلف العناد احتياج.
وخلف الخطأ جهل أو تجربة مؤلمة.
ولهذا فإن المستمع الجيد لا يستمع فقط إلى الكلام، وإنما يحاول أن يفهم ما وراء الكلام.
والاستماع لا يعني الموافقة.
قد تستمع إلى شخص باهتمام، ثم تختلف معه باحترام.
وهذا من أرقى صور النضج الإنساني.
سادسًا: لا تستخدم السخرية سلاحًا في الحوار:
من أخطر ما يفسد العلاقات أن يتحول الاختلاف إلى استهزاء.
وقد نهى القرآن عن ذلك بوضوح:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾
[الحجرات: 11]
السخرية لا تثبت أنك أقوى.
بل قد تكشف أنك عاجز عن إقناع الآخر بالحجة.
والإنسان الذي يسخر من الآخرين قد يضحك من حوله لحظة، لكنه يزرع في قلب من أمامه جرحًا قد يبقى سنوات.
سابعًا: لا ترفع صوتك حين تضعف حجتك:
من أجمل ما جاء في وصايا لقمان قوله تعالى:
﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾،[لقمان: 19]
إنها وصية تربوية عميقة.
خفض الصوت ليس مجرد سلوك اجتماعي، وإنما تعبير عن الاتزان.
وقد لا يستطيع الإنسان التحكم في الآخرين، لكنه يستطيع التحكم في صوته، وانفعاله، وكلماته.
ولهذا:
كلما زاد غضبك، احتجت إلى خفض صوتك أكثر.
فالصوت المرتفع لا يجعل الحجة أقوى.
ثامنًا: لا تجعل وسائل التواصل الاجتماعي: تلغي أخلاق الحوار
لقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي من أكبر ساحات الحوار في عصرنا.
ولكن المشكلة أن كثيرًا من الناس يتعاملون معها وكأن وراء الشاشة لا يوجد إنسان.
كلمة جارحة.
تعليق ساخر.
اتهام بلا دليل.
نشر شائعة.
حكم على النيات.
تشويه للآخر.
ثم يقول صاحبها:
إنها مجرد حرية رأي!
لكن الحرية لا تعني إسقاط الأخلاق.
والاختلاف لا يعني العدوان.
والنقد لا يعني التشهير.
والصراحة لا تعني الوقاحة.
والشجاعة لا تعني التجاوز.
إن الإنسان الراقي يحافظ على أخلاقه حتى عندما لا يراه أحد.
تاسعًا: علّم أبناءك الحوار قبل أن تعلّمهم الجدال:
الأسرة هي المدرسة الأولى لفن الحوار.
فالطفل الذي يرى أباه يستمع إلى أمه باحترام، سيتعلم الاحترام.
والطفل الذي يرى والديه يختلفان دون إهانة، سيتعلم أن الاختلاف طبيعي.
والطفل الذي يُسمح له بالسؤال، سيتعلم التفكير.
أما الطفل الذي يُقال له دائمًا:
لا تتكلم... لا تسأل... أنت لا تفهم... اسكت!
فقد يكبر وهو يخاف من التعبير عن رأيه، أو يبحث عن مساحة أخرى يسمع فيها أحدٌ صوته.
ولهذا فإن الحوار داخل الأسرة ليس ترفًا تربويًا، وإنما صناعة للإنسان.
عاشرًا: الحوار مع الأبناء لا يكون من فوق إلى أسفل:
من أعظم أسرار أسلوب لقمان أنه لم يتعامل مع ابنه باعتباره مجرد متلقٍ للأوامر.
بل جاء خطابه في صورة موعظة وحكمة وتوجيه.
فالتربية الناجحة لا تقوم فقط على:
افعل ولا تفعل.
بل تقوم على:
لماذا تفعل؟ ولماذا لا تفعل؟
نحن لا نريد أبناءً يحفظون الأوامر فقط.
نريد أبناءً يفهمون القيم، ويدركون الأسباب، ويستطيعون اتخاذ القرار الصحيح عندما يغيب الأب والأم.
الحادي عشر: من جمال الحوار الاعتراف بالخطأ:
ليس عيبًا أن تقول:
أخطأت.
وليس ضعفًا أن تعتذر.
بل الاعتذار قوة أخلاقية.
وقد يتعلم الأبناء من اعتذار أبيهم أكثر مما يتعلمون من عشرات المحاضرات عن الأخلاق.
إن الأب الذي يقول لابنه:
لقد أخطأت في حقك وأعتذر منك.
لا يفقد هيبته، بل يكسب قلب ابنه.
وكذلك المعلم، والقائد، والزوج، والصديق.
الثاني عشر: الكلمة الطيبة عبادة وأثر:
قال الله تعالى﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا[البقرة: 83]
وقال سبحانه:
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
[الإسراء: 53]
وقال النبي ﷺ:
«والكلمة الطيبة صدقة»
متفق عليه.
فالكلمة الطيبة ليست مجرد ذوق اجتماعي.
إنها عبادة.
قد تقول لشخص كلمةً في الصباح، ثم تنساها، بينما يبقى أثرها في قلبه سنوات.
وقد تقول كلمةً قاسية في لحظة غضب، ثم تنساها، بينما يظل الطرف الآخر يتذكرها طويلًا.
ولهذا كان من الحكمة أن نزن كلماتنا قبل أن ننطق بها.
الثالث عشر: متى يكون الصمت أجمل من الكلام؟:
ليس كل ما تعرفه يجب أن تقوله.
وليس كل ما تشعر به يجب أن تنشره.
وليس كل تعليق يستحق الرد.
وأحيانًا يكون الصمت حكمة.
قال الشاعر:
إذا كان الكلام من فضةٍ
فالسكوت من ذهبِ
وقد يكون الصمت في لحظة الغضب حمايةً لعلاقة، وحفظًا لكرامة، ومنعًا لكلمة قد يندم عليها الإنسان بعد أن تفلت من فمه.
فمن الحكمة أن تسأل نفسك قبل الرد:
هل سيضيف كلامي شيئًا؟
فإن كان الجواب لا، فالصمت أحيانًا أجمل خطاب.
الرابع عشر: أدب الحوار مع المخالف:
النضج الحقيقي لا يظهر عندما تتفق مع الناس، بل يظهر عندما تختلف معهم.
يمكن أن تقول:
أحترم رأيك، لكنني أختلف معك.
دون أن تقول:
أنت جاهل.
يمكن أن تناقش الفكرة دون أن تهدم صاحبها.
يمكن أن تقول:
هذا الدليل لا يقنعني.
بدلًا من:
أنت لا تفهم شيئًا.
إن الفرق بين العبارتين هو الفرق بين حوار يبني وحوار يهدم.
الخامس عشر: وصية لقمان... منهج متكامل للتواصل الإنساني:
عندما نتأمل وصايا لقمان في السورة نجد أنها لم تكن مجرد نصائح متفرقة، بل كانت مشروعًا لبناء الإنسان:
الإيمان قبل كل شيء.
والبر بالوالدين.
ومراقبة الله.
وإقامة الصلاة.
والأمر بالمعروف.
والنهي عن المنكر.
والصبر.
والتواضع.
والاعتدال في المشي.
وخفض الصوت.
إنها منظومة متكاملة تقول لنا:
صلاح الإنسان لا يكون في عبادته وحدها، وإنما يظهر أثر عبادته في أخلاقه وسلوكه وكلامه وعلاقاته بالآخرين.
وقفة تأمل
توقف قليلًا واسأل نفسك:
كم مرة انتصرت في نقاش، لكنك خسرت إنسانًا؟
كم مرة قلت كلمةً في غضب، ثم تمنيت لو أنك لم تقلها؟
كم مرة كنت تستطيع أن تنصح بلطف، فاخترت القسوة؟
كم مرة حكمت على إنسان قبل أن تسمع قصته؟
وكم مرة كان بإمكانك أن تصمت، لكنك اخترت الرد؟
ثم اسأل نفسك السؤال الأهم:
هل الناس يشعرون بالأمان عندما يتحدثون معي؟
إن كان الجواب نعم، فقد قطعت شوطًا كبيرًا في حسن الخلق.
أبيات شعرية :
وكن لينَ القولِ إن القولَ مكرمةٌ
فالكلمةُ الطيبةُ الغراءُ إحسانُ
لا تجرحنَّ فؤادًا أنت تجهلهُ
فربُّ جرحٍ على الأيامِ كتمانُ
واجعل حوارَك بالآدابِ مزدهرًا
فالحُسنُ في القولِ للأرواحِ ريحانُ
وإن اختلفتَ فدع أخلاقَك شاهدةً
فليس يعلو على الأخلاقِ إنسانُ
الخلاصة:
إن أدب الحوار ليس مجرد مهارة في التواصل، بل هو انعكاس لنضج الإنسان، ونقاء قلبه، وعمق تربيته.
وقد علّمنا لقمان أن التربية تبدأ بالكلمة، وأن الكلمة تحتاج إلى قلب رحيم، وأن الرحمة لا تلغي الحزم، وأن الحزم لا يبرر القسوة.
وفي عصرٍ ارتفعت فيه الأصوات، نحن بحاجة إلى أن ترتفع الأخلاق.
وفي زمنٍ كثرت فيه التعليقات، نحن بحاجة إلى مزيد من الحكمة.
وفي عالمٍ أصبح فيه الاختلاف سببًا للخصومة، نحن بحاجة إلى أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتحول إلى أعداء.
ولعل أجمل ما نختم به هذه الوصية الخالدة قول الله تعالى:
﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.
فخفض الصوت أدب،
والكلمة الطيبة عبادة،
والاستماع حكمة،
والاعتذار شجاعة،
والاختلاف لا يفسد الأخلاق،
والحوار الناجح ليس أن تجعل الآخر يخسر،
بل أن تساعد الجميع على الوصول إلى الحق والخير.
المراجع العربية:
القرآن الكريم، سورة لقمان، الآيات (13–19).
١)القرآن الكريم، سورة البقرة
٢)البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب إكرام الضيف، وباب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.
٣)مسلم، مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير.
٤)الترمذي، محمد بن عيسى. سنن الترمذي، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق.
٥)ابن كثير، إسماعيل بن عمر. تفسير القرآن العظيم. دار طيبة.
٦)الطبري، محمد بن جرير. جامع البيان عن تأويل آي القرآن. دار هجر.
٧)القرطبي، محمد بن أحمد. الجامع لأحكام القرآن. دار الكتب المصرية.
٨)السعدي، عبد الرحمن بن ناصر. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. مؤسسة الرسالة.
٩)ابن عاشور، محمد الطاهر. التحرير والتنوير. الدار التونسية للنشر.
١٠)الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين، كتاب آفات اللسان وآداب الصحبة والمعاشرة.
التعليقات الأخيرة