قبل الرحيل
بقلم : محمود جاب الله
الرحيل لا ينتظر استئذاناً، ولا يطرق الباب مرتين. يأتي في لحظة نظن فيها أن لدينا متسعاً من الوقت، وأن الغد سيمنحنا فرصة أخرى لنقول ما لم نقله، ونفعل ما أجلناه. لذلك كان الحُكماء القدامى يوصون بأن نعيش كل يوم كأنه الأخير، لا بدافع الخوف، ولكن بدافع الحرص على أن لا نترك في قلوبنا شيئاً ثقيلاً.
قبل الرحيل، ليس مهما أن نملك الكثير. المهم أن نكون قد أحبنا بصدق، وأن نكون قد سامحنا حين قدرنا على المسامحة، وأن نكون قد اعتذرنا حين أخطأنا. فالندم الحقيقي لا يأتي من الفقر أو من خسارة منصب، بل يأتي من كلمة كان يمكن أن تُقال فلم تُقل، ومن يد كان يمكن أن تُمد فترددت، ومن باب كان يمكن أن يُطرق فأغلقناه بيدنا.
نحن نعيش في زمن سريع، نركض خلف الإنجاز ونهرب من المواجهة مع أنفسنا. نؤجل اللقاء مع الأب حتى "أفضى"، ونؤجل المكالمة مع الصديق القديم إلى "الأسبوع القادم"، ونؤجل الاعتراف بالحب إلى "الوقت المناسب". ثم يأتي الرحيل، فجأة، فيكتشف كل منا أن الوقت المناسب كان هو اليوم، وأن الأسبوع القادم لم يعد يخصنا.
قبل الرحيل، راجعوا علاقاتكم. ليس مطلوباً أن تكونوا أبطالاً، يكفي أن تكونوا بشراً. اغفروا لمن أثقل قلوبكم، لا لأنه يستحق، ولكن لأنكم تستحقون قلباً خفيفاً. اتصلوا بمن تحبون وقولوا لهم "أنا أحبك" بلا مناسبة. زوروا الوجوه التي تعبتم من طول الغياب عنها. فالبيوت لا تضيق بأهلها، إنما تضيق بالصمت.
قبل الرحيل، اتركوا أثراً طيباً. كلمة حلوة في مجلس، نصيحة صادقة لشاب، صدقة صغيرة في يد محتاج، شجرة تزرعونها ولا تجلسون في ظلها. فالناس لا تتذكرنا بأرصدتنا ولا بمناصبنا، بل تتذكرنا بالدفء الذي تركناه فيهم.
وأخيراً، قبل الرحيل، تصالحوا مع الله. فهو وحده الذي يعلم السر وما أخفى، وهو وحده الذي يغفر الذنوب جميعاً. لا تؤجلوا التوبة ولا تؤجلوا الرضا، فالموت لا يعترف بالجداول.
إن الحياة قصيرة، ولكنها تتسع لكل المعاني إذا أحسنا استخدامها. فلنعشها ونحن ننظر إلى الوراء بلا ندم، وإلى الأمام بلا خوف، وإلى من حولنا بلا كبرياء. لأن أجمل ما في الرحيل أن يكون خفيفاً، لا يترك خلفه إلا ذكرى طيبة ودعوة صادقة: "رحم الله فلاناً، كان إنساناً".
التعليقات الأخيرة