news-details
مقالات

العشيرة العفوية والسياسة الطارئة: سقوط أوهام الصراع الداخلي أمام وعي المجتمع العراقي

 


بقلم رئيس إتحاد القبائل العراقية 
عدنان صگر الخليفه 

يتكرر في الآونة الأخيرة طرح بعض السياسيين والمدونين سيناريوهات محتدمة تدعي حتمية وقوع صراع أو اقتتال داخلي في العراق، وتحديداً في محافظات الوسط والجنوب، وهو طرح لا ينطلق في أغلبه من قراءة تحذيرية حريصة، بقدر ما يمثل أمنيات ورهانات سياسية لأطراف تسعى لإعادة تشكيل الخارطة السلطوية واقتسام النفوذ عبر الاستثمار في الشحن النفسي والإعلامي. غير أن هذه التهويلات تصطدم بحقيقة صلبة يُغفلها أصحاب الطروحات السطحية، تكمن في طبيعة البنية الاجتماعية العراقية وسنائينها القبيلة الراسخة، حيث يقع المروجون لسيناريوهات الفوضى في خطأ تحليلي جسيم حين يخلطون بين المنافسة السياسية الحادة على السلطة والمغانم بين أحزاب ونخب حزبيّة، وبين الانفجار المجتمعي الشامل؛ إذ إن المنافسة الأولى مجرد صراع فوقي محصور في أروقة الحكم ويصطدم بسقوف عالية وأثمان باهظة لا يستطيع أي طرف تحمل كلفته، بينما يُعد الاقتتال الأهلي خياراً غير قابل للتحقق مطلقاً لأن الشارع العراقي يمتلك وعي التفريق الذاتي الذي يفكك الأزمات السياسية ويعزلها عن جسد المجتمع الحي.
إن العشائر والقبائل العراقية ليست كيانات سياسية أو مؤدلجة، بل هي بُنَى نظام مجتمعي وقيمي أصيل قائم على صيانة الدماء والتكافل، وقد فرضت هذه العشائر عبر أعرافها وسنائينها قوانين صارمة تُجرّد العمل الحزبي والسلطوي من أي غطاء اجتماعي؛ إذ تنص الأعراف المستقرة على أن كل فرد ينتسب إلى حركة أو حزب أو فصيل أو دائرة رسمية، فإن تصرفاته وتكليفاته الصادرة من جهته الحزبية تقع على عاتقه الشخصي وعاطق جهته حصراً، دون أن تتحمل العشيرة أي تبعة أخلاقية أو قانونية أو عشائرية عن أفعاله، كما يُمنع على ابن العشيرة منعاً باتاً استدعاء اسمه القبلي أو سلاحه في خصومة حزبية أو منافسة على نفوذ، وفي حال حاول أحدهم استغلال اسم قبيلته في أجندة حزبية، تُفعّل العشيرة فوراً آليات الرفع والبراءة العشائرية لتجريده من حمايتها. وفي الوقت الذي تتولى فيه العشيرة الدفاع عن ابنها والوقوف معه في شؤونه الأسرية ومعاملاته الاجتماعية والشخصية اليومية، فإنها تتخلى عنه تماماً بمجرد أن يتحرك وفق تكليف حزبي أو فصائلي، تاركة إياه ليعود إلى جهته الحزبية التي أصدرت له الأوامر لكونها المسؤول الوحيد عن تبعات أفعاله.
وتثبت المحن التاريخية الكبرى أن المجتمع العراقي يسبق طبقة سياسييه بمسافات شاسعة في الانضباط والتنظيم الذاتي، فند انهيار هيكل الدولة بالكامل وتلاشي الأجهزة الأمنية عام ألفين وثلاثة، لم يسقط المجتمع في الفوضى أو الاقتتال الأهلي، بل تولت العشائر والفعاليات المجتمعية زمام المبادرة وأنشأت لجان حماية محلية لحفظ المدن والمؤسسات والضعفاء، في إثبات ساطع على وجود عَقْد اجتماعي أصيل ومستقل تماماً عن وجود السلطة الحاكمة. كما أثبتت التجربة في أحداث الفرات والوسط والجنوب عام ألفين وأربعة عشر أن المجتمع يمتلك مناعة ذاتية ضد التفكك، فعندما تعرض الوطن للخطر، هبت هذه القبائل ككتلة واحدة لحماية الأرض والحرمات، متجاوزة أي خلاف سياسي فرعي.
وهذا الوعي المجتمعي لم يعد حكراً على منطقة دون أخرى، بل تحول إلى سمة وطنية شاملة ضمت كافة المحافظات العراقية في الغرب والشمال والشرق، بعد أن أدركت القبائل والمجتمعات هناك درساً تاريخياً قاسياً جراء مرارة الأحداث والكوارث التي خلفتها خطابات الاستقطاب السياسي وما أعقبها من احتلال داعش والنزوح والدمار، فعلمت تلك المجتمعات أن انسياقها خلف الشعارات الحزبية لم يجلب لها سوى الويلات بينما كان السياسيون يفتشون عن مصالحهم الشخصية، مما جعل تلك المجتمعات اليوم هي من تحكم نفسها وتفرض عقلانيتها رافضة الانقاد خلف أي أجندات طارئة.
أما الشبهات التي يُلصقها البعض بالمجتمع جراء تصرفات بعض الأفراد المنتسبين للأحزاب أو استفحال آفة الفساد المالي والإداري، فيجب وضعها في نصابها الصحيح؛ إذ إن من يخرج من أبناء العشائر للدفاع عن سياسي أو كيان حزبي لا يفعل ذلك بتفويض عشائري أو عقيدة مجتمعية، بل ينطلق كفرد منتفع يلهث خلف الامتيازات والمكاسب الضيقة، والمجتمع يعزل هذه النماذج الهامشية ويجردها من الوجاهة ويتركها تواجه أخطاءها مفردة، كما أن ملفات الفساد الكبرى وسرقة المال العام هي أفعال واضحة ارتكبتها أحزاب وجماعات تسنّمت مناصب السلطة، والمجتمع العراقي بكافة مكوناته وعشائره بريء منها تماماً ولا يصح تحميل الشارع تبعات أخطاء الطبقة الحاكمة.
لتظل المقاربات التي تراهن على اقتتال أو صراع مجتمعي في العراق مجرد قراءات قاصرة ومبنية على الجهل بضوابط وسنائن القبائل العراقية الأصيلة، فالمعادلة التاريخية أثبتت دائماً أن السياسة متغيرة والأحزاب طارئة وتزول، بينما العشيرة والروابط الاجتماعية والأعراف الراسخة هي الثابت الباقي، وبفضل هذه السنائن وعمق الوعي الوطني المتشكل عبر المحن، يظل الشارع العراقي في الوسط والجنوب والغرب والشمال سوراً منيعاً لحماية السلم الأهلي، ومحصناً ضد كل محاولات التوظيف السياسي الرخيص.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا