أجلسُ في المقهى القديمِ بتطوانَ
،
لا لكي ألتقي بأحدٍ،
بل لأقيسَ مسافةَ الشكِّ بيني وبين الهواء.
الشايُ الأخضرُ يسكبُ زُمرُدَهُ الباردَ في الفنجان،
والدخانُ يرتفعُ،
طائراً أسطورياً يمرُّ عبرَ الرئةِ،
ليكتبَ على العتمةِ رسالةً لا يقرأُها أحد.
النادلُ يمرُّ كالوقتِ،
ملامحُهُ حَجَرٌ لا يبتسم،
كأنّهُ يحرسُ باباً لغيابٍ آخر.
وعلى الطاولةِ المجاورة،
يجلسُ حكماءُ الصدفةِ يرمونَ أحجارَ الدومينو؛
طَقْطَقَةُ العاجِ في الفراغ،
موسيقى حزينةٌ لِقَتْلِ العَبَسِ،
وذَبْحِ وقتٍ لا يريدُ أن يمرّ.
وشابّانِ عندَ ضوءِ الشباكِ،
يقتسمانِ البحرَ في كَلِمَتَيْن:
لماذا الموتُ في شراعِ الغرق؟
وما هو هذا الغربُ؟
أهو أفقٌ أوسعُ للكرامةِ، أم حُلْمٌ يُولدُ ميتًا،
أم استقرارٌ يختبئُ خلفَ موجةٍ غريبة؟
المقهى... برلمانٌ صغيرٌ لأجسادٍ متناقضة:
حرارةُ الصيفِ الثقيلةُ تفرشُ ظلَّها،
تتعانقُ مع رائحةِ الحشيشِ العابرةِ كغيمةِ عزلة،
والتلفازُ القديمُ يُطلُّ من زاويةِ السقف،
عينٌ غائمةٌ تبثُّ مباراةَ كرةِ قدمٍ لجمهورٍ من أشباح.
وعلى الجدارِ المتآكلِ من ندى السنين،
تعلَّقَ التّاريخُ كمعاطفَ قديمة:
عبدُ الحليمِ يغني للشوق،
وأمُّ كلثومَ تنشجُ في سهرِ الشرق،
وبوب مارلي يتسلقُ حريةَ الرائحة،
ومارلين مونرو تبتسمُ للغبار.
وجوهٌ من شرقٍ وغربٍ،
صراعٌ أخيرٌ بين الموتى...
مَنْ مِنْهُم تَرَى أَبْقَى أَثَرًا على هذا الجدار؟
وَمَنْ مِنْهُم كَانَ مُجَرَّدَ ظِلٍّ يمرّ؟
ومن أقصى العتمة،
يرتفعُ صوتٌ يسبُّ إسرائيل،
يرمي حجراً في نهرِ الصمتِ،
وينطفئُ في الزحام.
آهِ... يا مقهى تطوانَ القديم،
يا ذاكرةً من ضوءٍ ودخان،
يا ساحةً للسياسةِ والفكرِ والجهلِ المظفّر،
كم يلزمُنا من الشايِ والدخانِ
لننسى أننا مرَرْنا من هنا... ولم نتركْ أَثَرًا؟
المقهى القديمة عبد المجيد عبوبي
في هذه الاثناء مجموعات من الشباب يصلون الى الحدود مع سبة يرمون بأنفسهم إلى البحر أملا في الوصول الى اسبانيا .....
التعليقات الأخيرة