في مصر، يكفي أن يقترن اسمك بقرار جمهوري حتى تحاكم قبل أن تبدأ عملك بيوم واحد. هذا بالضبط ما يحدث الآن مع السفير علاء يوسف، رجل قضى أكثر من ثلاثة عقود في خدمة الدولة المصرية بكفاءة يشهد بها حتى من يختلفون معه، ليجد نفسه مطالبا بإثبات براءته من تهمة لم يرتكبها بعد، لمجرد أنه تولى منصبا حكوميا. والمفارقة أن كثيرين ممن يتعجلون الحكم عليه اليوم هم أنفسهم من يطالبون وبحق بأن يقاس الناس بأفعالهم لا بمواقعهم أو بخلفية من عينهم. فلنبدأ إذن من حيث يجب أن يبدأ أي حكم عادل، من السيرة والفعل، لا من الشعار المسبق.
ففي أبريل الماضي، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي القرار رقم 161 لسنة 2026 بتعيين السفير علاء الدين زكريا يوسف رئيسا لمجلس إدارة الهيئة العامة للاستعلامات، خلفا للكاتب الصحفي ضياء رشوان الذي انتقل لتولي حقيبة وزارة الدولة للإعلام. القرار جاء في سياق دبلوماسي ممتد لرجل قضى معظم مسيرته المهنية في ملفات الاتصال الرسمي والتمثيل الخارجي لمصر، لا في العمل الصحفي التحريري بالمعنى التقليدي. وهذا الفارق بالذات هو نقطة الانطلاق المناسبة لأي قراءة موضوعية لهذا التعيين، بعيدا عن ثنائية التطبيل والتخوين التي تحكم غالبا النقاش العام حول أي منصب إعلامي رسمي في مصر.
في لحظة إقليمية ودولية بالغة التعقيد، تتشابك فيها حروب المعلومات مع صراعات الصورة الذهنية، جاء تولي السفير علاء يوسف رئاسة الهيئة العامة للاستعلامات ليطرح تساؤلات مشروعة حول مستقبل الخطاب الرسمي المصري. الرجل ليس وجها إداريا طارئا، فتاريخه كمتحدث رسمي سابق باسم الرئاسة، ثم ممثلا لمصر في اليونسكو وفرنسا، يرسم ملامح دبلوماسي محترف يدرك جيدا كيف يفكر الغرب، وكيف تدار لغة الحوار خلف الأبواب المغلقة. لكن، وبصفتي كاتبا يقف في صف المعارضة الوطنية ويؤمن بأن حرية تداول المعلومات هي أساس أي تنمية حقيقية، أرى أن البروفايل الدبلوماسي الرفيع وحده لا يكفي إن لم يصطدم بشجاعة حقيقية مع واقع إعلامي ومؤسسي يحتاج إلى تفكيك وإعادة بناء.
فقد التحق علاء يوسف بالسلك الدبلوماسي عام 1991 بعد تخرجه في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. مسيرته تنقلت بين عدة محطات، العمل بسفارة مصر في باريس بين 2007 و2010، ثم مستشارا سياسيا لأمين عام منظمة الاتحاد من أجل المتوسط في إسبانيا. لكن المحطة الأكثر حضورا في الذاكرة العامة كانت توليه منصب المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية بين سبتمبر 2014 وأكتوبر 2017، وهي سنوات شهدت ملفات شديدة الحساسية سياسيا وحقوقيا. بعدها انتقل مندوبا دائما لمصر لدى الأمم المتحدة في جنيف، 2017 إلى 2020، ثم سفيرا لمصر في فرنسا ومندوبا دائما لدى اليونسكو حتى مطلع 2026.
هذه السيرة تمنحه بلا شك أدوات مهنية معتبرة، إجادة لغات متعددة، خبرة تفاوضية طويلة، ودراية بآليات العمل في المحافل الدولية. وهي نقطة تحسب له موضوعيا، لا مجاملة، لأن طبيعة عمل الهيئة تحديدا موجهة بالأساس للرأي العام الخارجي والمنظمات الدولية، لا للشارع المصري.
هيئة تحمل إرثا من الأزمات لا من الإنجازات الواضحة، ولكن الإنصاف يقتضي أيضا النظر إلى المؤسسة التي يتولى رئاستها، لا إلى شخصه فقط. فالهيئة العامة للاستعلامات، المنشأة عام 1954 والتابعة لرئاسة الجمهورية منذ 2012، واجهت على مدى العقد الماضي سلسلة من الانتقادات لم تكن تصدر عن معارضين فحسب، بل من داخل مؤسسات الدولة نفسها. فبعد ثورة 30 يونيو 2013 اتهمت الهيئة بالفشل في أداء دورها المفترض، وفي نوفمبر 2016 وجهت لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب انتقادات مباشرة لمسؤولي الهيئة بسبب التقصير وعدم القدرة على نقل صورة دقيقة عن أوضاع حقوق الإنسان في مصر. كما اضطرت الهيئة في مراحل سابقة لغلق عدد من مكاتبها الإعلامية بالخارج لأسباب تتعلق غالبا بالموازنة والفعالية.
من ناحية أخرى، دأبت الهيئة على إصدار بيانات الرد على تقارير المنظمات الحقوقية الدولية ووسائل الإعلام الأجنبية، مثل ردودها المتكررة على تقارير منظمة العفو الدولية أو بي بي سي، وهو نمط من الرد الدفاعي رأى فيه كثيرون أداء تبريريا أكثر منه معالجة جذرية لمصادر الانتقاد نفسها. هذه هي المعضلة البنيوية التي يرثها علاء يوسف، مؤسسة مهمتها الأصلية تنوير الرأي العام العالمي، لكنها تقاس أداؤها غالبا بمعيار الدفاع عن الصورة الرسمية للدولة أكثر من معيار الشفافية أو التفاعل النقدي مع الانتقادات.
تحدي الداخل، الصحافة المحلية قبل المراسلين الأجانب، وعادة ما تقاس كفاءة رئيس الهيئة العامة للاستعلامات بقدرته على تسهيل عمل المراسلين الأجانب والرد على تقارير الصحف الغربية. هذا جانب مهم بلا شك، لكن الخطأ القاتل الذي تقع فيه الهيئة دائما هو التركيز على الخارج ونسيان الداخل. إن الاختبار الحقيقي للسفير علاء يوسف، بخبرته الطويلة، يكمن في مدى قدرته على مخاطبة الصحافة المصرية بكل أطيافها، بما فيها المستقلة والحزبية والمعارضة، لا باعتبارها أعباء أو أصواتا مزعجة، بل بوصفها شريكا أساسيا في بناء الوطن. هل يملك السفير القدرة على فتح نوافذ تدفق المعلومات للصحفي المحلي الذي يعاني الأمرين للحصول على الحقيقة، بينما تتسرب الأخبار من قنوات مجهولة أو منصات التواصل؟ إن الثقة تبدأ من الداخل، ولا يمكن لأي هيئة إعلامية أن تقنع العالم بصورة بلدها إذا كانت تعجز عن إقناع مواطنيها بصحة وسرعة تدفق المعلومة لديهم.
عصر الخوارزميات، هل تغير الهيئة أدواتها؟، ففي عالم اليوم، لم تعد الصورة الذهنية للدول تدار بالبيانات الروتينية، ولا بالندوات التقليدية التي تعقد في قاعات مغلقة ويكرر فيها المتحدثون نفس الشعارات. العالم يتحرك بسرعة البرق عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، وشبكات التأثير الرقمي. السفير علاء يوسف، الذي قضى سنوات في مؤسسات أممية ودولية تدرك لغة العصر الحديث، يعلم تماما أن الإعلام الغربي والعالمي لا يقتنع بالديباجات الإنشائية، بل بالأرقام والشفافية وحرية الحركة. التحدي هنا هو، هل سيقود الرجل عملية تحديث شاملة لآليات عمل الهيئة لتنتقل من منطق الدفاع عن السياسات إلى منطق إدارة الحوار المفتوح والذكي، أم أن البيروقراطية الحكومية ستعيده إلى المربع القديم حيث الصوت الواحد والصدى المكرر؟
مراكز الاستعلامات في الخارج، أين دورها الحقيقي؟، على مدار عقود، ظلت مكاتب الهيئة العامة للاستعلامات في السفارات المصرية بالخارج تعاني من الكلاسيكية والجمود، مكتفية بلعب أدوار بروتوكولية أو تجميع قصاصات الصحف. إن خبرة السفير علاء يوسف الأوروبية والأممية تضعه أمام مسؤولية تاريخية لإعادة هيكلة هذه المكاتب لتتحول إلى خلايا أزمة وتواصل استراتيجي حقيقية، تقيم جسورا مع مراكز الأبحاث، والجامعات، والنخب الغربية التي غالبا ما تغيب عنها الرواية المصرية الدقيقة بسبب قلة التواصل الذكي والشفاف. إن العالم لا يريد من يوبخه أو يعظه، بل يريد من يناقشه بالحجة والدليل والشفافية.
التساؤل الذي يحق لأي كاتب مستقل طرحه هنا ليس عن نزاهة الرجل الشخصية، بل عن طبيعة الدور المؤسسي ذاته، هل يملك رئيس هيئة تابعة مباشرة لرئاسة الجمهورية، ويعين بقرار جمهوري، هامشا حقيقيا لتقديم معلومات وحقائق موثقة، بحسب التوصيف الرسمي لمهمة الهيئة، إذا تعارضت هذه الحقائق مع الخطاب الرسمي السائد؟ أم أن المنصب بحكم موقعه في الهيكل الإداري مقيد سلفا بسقف سياسي لا يملك تجاوزه أيا كانت كفاءة شاغله الشخصية؟
هذا سؤال بنيوي لا يخص علاء يوسف تحديدا، بل يخص طبيعة أي جهاز إعلام حكومي في أي دولة يتبع السلطة التنفيذية مباشرة. والإنصاف يقتضي عدم تحميل الرجل وزر مؤسسة كاملة قبل أن يبدأ عمله الفعلي، تماما كما يقتضي عدم منحه صك براءة مسبقة لمجرد سيرته الدبلوماسية الحافلة.
ولعل ما يحتاجه الخطاب الإعلامي الرسمي اليوم ليس مجرد تجميل الواجهة الخارجية، بل تقديم أرقام ووقائع ملموسة يشعر بها الشارع والوسط الصحفي، فالشارع المصري لم يعد يعنيه خطاب الإنجازات المرسلة، بل يترقب بشغف تدفقا حقيقيا للحقائق، وشفافية في التعامل مع الأزمات المعيشية والاقتصادية، وإنهاء حقيقيا لحالة الشح في المعلومات التي تغذي الشائعات. إن نجاح أي قيادة جديدة لا يقاس ببيانات التوضيح الصادرة عن الأزمات، بل بقدرتها على تقليص الفجوة الهائلة بين الرواية الرسمية وبين ما يعيشه المواطن على الأرض كل يوم.
تعيين علاء يوسف يحمل منطقا مفهوما من زاوية الدولة، رجل بخبرة تفاوضية ودبلوماسية طويلة، في مرحلة تصفها مصادر مقربة من السلطة بأنها حساسة على صعيد الصورة الخارجية لمصر. نحن أمام مسؤول يمتلك رصيدا من الكفاءة الدبلوماسية والهدوء المهني الذي نحترمه، لكننا في المقابل لا نصك صكا على بياض لأحد. فالالحكم الفعلي على هذه التجربة لن يقاس بالسيرة الذاتية ولا بحفاوة الاستقبال الرسمي، ولا بمدى رضا الدوائر البيروقراطية عنه، بل بمدى شجاعته في إحداث اختراق حقيقي في جدار العزلة المعلوماتية، وبأداء الهيئة على أرض الواقع في الأشهر المقبلة، هل ستنتقل من نمط الرد الدفاعي المعتاد إلى نمط أكثر انفتاحا في التعامل مع الملفات الشائكة، من حرية الصحافة إلى أوضاع حقوق الإنسان، أم ستستمر في الدائرة نفسها التي واجهت بها الهيئة أزماتها المتكررة منذ 2013؟ الإجابة لن تأتي من مقال رأي، بل من الوقائع القادمة، وهذا بالضبط ما يجب أن يراقبه أي كاتب مستقل عن كثب، بلا تسرع في الإشادة ولا في الإدانة. المعارضة الوطنية لا تتربص بأحد، بل تمد يدها لكل كفاءة وطنية صادقة تريد لمصر أن تمتلك إعلاما حرا، رصينا، ومحترما لعقل المواطن. والكرة الآن في ملعب الرجل، فإما أن يصنع فارقا مؤسسيا حقيقيا، أو يكتفي بأن يكون موظفا كبيرا أدار الملفات بلباقة دبلوماسية دون أن يترك أثرا يذكر.
وربما كانت المفارقة الكبرى أن مصر، وهي تبحث عن صوت يخاطب العالم بلغته ويفهم منطقه، اختارت أخيرا رجلا تدرب على هذا الدور لثلاثة عقود متتالية، بدل أن تلقي بالمهمة على كتف موظف عابر، وهذا وحده كاف لمنحه فرصة نزيهة قبل أن يدان بتهمة لم يرتكبها بعد. فإذا كان الحكم العادل يبدأ بالفعل لا بالموقع، فإن مصر، ومعها كل مراقب منصف، مطالبة اليوم بأن تنتظر النتائج، لا أن تكتب النهاية قبل أن تبدأ القصة.
يوسف عبداللطيف يكتب: علاء يوسف والرهان الصعب.. دبلوماسية القصور أم معارك الخنادق؟
التعليقات الأخيرة