news-details
مقالات

ميسان.. حين يُباع "الطابو الصرف" في سوق الظمأ، ومن يملك مفاتيح الخرس؟

 


بقلم/رئيس إتحاد القبائل العراقية 
عدنان صگر الخليفة

هل يُقاس وجع الأرض بحجم النخيل الذي يبس على ضفافها، أم بعدد الأيدي التي تلوح بسندات رسمية لقطع أراضٍ لا تطؤها إلا أقدام السراب؟
في ميسان، حيث يتكئ التاريخ على جرح الجنوب ويغفو الهور على تسابيح الصبر، يمتد قضاء "المجر الكبير" كقصيدة متعبة بحثت عن قافية للكرامة، فلم تجد إلا دوائر الخدمة المتهالكة وإدارات الأزمات اليومية. أرضٌ وُزعت بسندات رسمية (طابو ملك صرف) بمساحات تضمن للفقير أفقاً وسقفاً (250 متراً أو يزيد)، تُترك منذ عام 2014 وعام 2018 بلا ماء، بلا كهرباء، وبلا شوارع تُفضي إلى حلم السكن. تُترك بوراً جردة، وكأن الرهان يدور حول كمية اليأس التي يجب أن تتشربها روح المواطن الميساني قبل أن يستسلم!
وهنا ينبثق التساؤل الاستقرائي الذي يختنق به حبر قلمنا: إذا كانت الأرض سنداً رسمياً وملكماً صرفاً، فما هو السر الخفي الذي جعلها بلمحة عين هبةً لـ "مطور عقاري"؟
أيُّ منطق استثماري أو حيف إداري هذا الذي يُلزم ابن المجر الكبير – الصابر على جفاف العطش وشظف العيش – بدفع 21 مليون دينار جبايةً لمطور عقاري، عن قطعة أرض لا تتجاوز قيمتها السوقية الكلية ستة أو ثمانية ملايين دينار؟! أهذا تطويرٌ وإعمار، أم هو "تهجير مالي قسري" يُجبر الفقير على بيع حلمه بفتات الخبز، لتسقط الأرض مجدداً في حيازة حيتان الأراضي والمضاربين؟ وإذا كانت الدولة تُجبر المواطن على دفع أثمان خدماتها الأساسية من لحمه الحي لصالح الشركات والاستثمار، فما هي واجبات الدولة إذن؟ وأين تذهب موازنات الإعمار ومخصصات التنمية؟
إن المحزون في هذه المعادلة المقلوبة ليس غياب الخدمة فحسب، بل هو ذلك الخرس الإعلامي والتكتم المريب الذي أُحيطت به ميسان.
نتساءل بمرارة العارف بخفايا الأمور: لماذا كان الإعلام يصرخ صراخاً مدوياً، وتتقاطر التصريحات، وتشتعل التظاهرات في سنوات مضت على الإدارة المحلية السابقة، بينما تلوذ ميسان اليوم بالصمت التام وكأنها خارج جغرافيا العراق؟ هل كان الخلل حقاً في شخص المسؤول السابق، أم أن الصراخ بالأمس كان لمجرد إسقاط احتكار "الكعكة"، بينما يُفرض الخرس اليوم بعد أن التأمت المصالح وتقاسمت الأحزاب والحركات السياسية النافذة المقاطعات والأقضية كمستحقات مغلقة؟!
كيف لمحافظة تسبح على بحار من النفط، وتتحكم بالمنافذ الحدودية، وتزخر بالثروات، أن تُترك نهباً للتقاسم الموزع، بينما يعيش مواطنها في فقر مدقع، ويُطالب بفدية مالية كي يرى الشارع المبلط أمام أرضه؟
إننا نضع هذه التساؤلات أمام صاحب القرار في بغداد وفي ميسان: من هو المسؤول الحقيقي عن التلاعب بمقدرات هذه المحافظة المظلومة؟ وأين دور البرلمان والحكومة الاتحادية من هيمنة الإرادات الحزبية التي جعلت من كل قضاء دكاناً سياسياً؟
إن أرض المجر الكبير ليست للبيع، وحق المواطن في أرضه الصرفة ليس سلعة تُعرض في مزادات المطورين. وإن الصمت الذي يلف ميسان اليوم ليس دليل رضا، بل هو الهدوء الذي يسبق انجلاء الحقيقة، ولن يصح في النهاية إلا صحيح الوطن وحق أهله الصابرين.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا