نِسَاءٌ خَلَّدَهُنَّ التَّارِيخُ
:
سِلْسِلَةٌ عَالَمِيَّةٌ عَنْ نِسَاءٍ صَنَعْنَ المَجْدَ وَخَلَّدْنَ أَسْمَاءَهُنَّ فِي صَفَحَاتِ التَّارِيخِ".
المقال الثالث عشر:
الْمَلِكَةُ أَرْوَى الصُّلَيْحِيَّة:
المرأة التي حكمت اليمن بعقلِ الحاكمة. وقادت دولةً، وشجعت العلم والعمران
بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة: حين جلست امرأة على عرش اليمن:
في صفحات التاريخ الإسلامي نساءٌ لم يكن حضورهن هامشيًا، ولا أدوارهن عابرة.
نساءٌ دخلن ميادين العلم والسياسة والإدارة، وترك بعضهن أثرًا تجاوز حدود عصرهن.
ومن بين أكثر هذه الشخصيات إثارة للاهتمام تبرز الملكة أروى بنت أحمد الصليحية، المعروفة بلقب:
السيدة الحرة
وهي إحدى أشهر الملكات في تاريخ اليمن والعالم الإسلامي في العصور الوسطى.
لم تكن أروى مجرد زوجة ملك، ولا شخصيةً تظهر خلف ستار السلطة؛ بل أصبحت صاحبة نفوذ سياسي مباشر، واستمرت في إدارة شؤون الدولة الصليحية في اليمن لعقود، حتى وفاتها سنة 532هـ/1138م.
لقد عاشت في القرن الخامس والسادس الهجري، في مرحلة سياسية شديدة التعقيد، وكانت اليمن تتقاطع فيها المصالح السياسية، والدينية، والقبلية ،والتجارية.
وفي وسط ذلك كله ظهرت امرأة استطاعت أن تحافظ على موقعها السياسي وتترك اسمًا خالدًا في تاريخ اليمن.
أولًا: من هي الملكة أروى؟:
هي أروى بنت أحمد بن محمد الصليحي، من الأسرة الصليحية التي أسست دولة قوية في اليمن خلال القرن الخامس الهجري.
وُلدت نحو 440هـ بحسب السيرة المنشورة في جامعة الملكة أروى اليمنية، ونشأت في بيئة الحكم والعلم، وتلقت تربية وتعليمًا أهّلاها لتحمل أعباء السلطة.
وقد ارتبطت منذ صغرها بالبيت الصليحي الحاكم، وتزوجت أحمد المكرم الصليحي، الذي كان، وريث الدولة الصليحية.
ومع مرور الوقت لم تعد أروى مجرد زوجة للحاكم، بل أصبحت شخصية سياسية فاعلة في إدارة الدولة.
ثانيًا: امرأة صنعت مكانتها بالعلم:
من أبرز ما يلفت النظر في شخصية أروى أن المصادر التي تناولت سيرتها لم تذكرها بوصفها صاحبة سلطة فحسب، وإنما تحدثت عن علمها ،وثقافتها، وذكائها.
وتذكر المصادر أنها اهتمت بالقرآن، والحديث ،والعلوم الدينية، وأن العلماء والدعاة كانوا يقصدونها ويأخذون برأيها في بعض الشؤون.
كما تصفها المصادر التاريخية بالذكاء، وحسن التدبير ،وسعة المعرفة.
وهنا تظهر إحدى أهم رسائل سيرتها:
السلطة التي لا يسندها العلم قد تكون عابرة، أما العلم حين يجتمع مع حسن الإدارة فيصنع أثرًا طويلًا.
ثالثًا: من زوجة ملك إلى حاكمة فعلية:
كان زوجها أحمد المكرم قد أصيب بمرض أقعده عن مباشرة شؤون الحكم بصورة كاملة، فازدادت أروى حضورًا في إدارة الدولة.
وبعد وفاته أصبحت أروى صاحبة الدور الأكبر في الحكم، وتولت رعاية شؤون الدولة في مرحلة انتقالية معقدة.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أنها أصبحت لاحقًا حاكمة مستقلة في الدولة الصليحية، واستمر حكمها حتى سنة 1138م.
وهنا تكمن خصوصية شخصيتها:
لم تكن قوتها مستمدة من لقبها فقط، بل من قدرتها على إدارة شبكة معقدة من القوى السياسية ،والقبلية ،والدينية.
رابعًا: أروى ،والسياسة،
كان اليمن في عصرها أرضًا شديدة التعقيد سياسيًا.
فإلى جانب الدولة الصليحية، كانت هناك قوى محلية ،وقبلية ،ومنافسون سياسيون، وكانت اليمن ذات أهمية استراتيجية، وتجارية كبيرة.
وقد استطاعت أروى أن تحافظ على الدولة وتوازن علاقاتها مع القوى المختلفة.
كما حافظت على صلاتها بالخلافة الفاطمية في القاهرة، بحكم الانتماء الديني للدولة الصليحية، مع إدارة شؤون اليمن من داخل البلاد.
وهذا الجانب من شخصيتها يجعلها نموذجًا تاريخيًا مهمًا لدراسة:
فن التوازن السياسي، وإدارة الدولة في بيئة متعددة القوى.
خامسًا: لماذا انتقلت أروى إلى جبلة؟:
من أهم القرارات السياسية والعمرانية في حياتها انتقال مركز حكمها إلى جبلة في اليمن.
وأصبحت جبلة مركزًا مهمًا في الدولة الصليحية خلال عهدها.
ولم يكن اهتمامها بالمدن مجرد اهتمام سياسي، بل ارتبط أيضًا بالعمران، والتعليم والمؤسسات الدينية، والاجتماعية.
وتنسب إليها أعمال عمرانية مهمة في جبلة، ومن أشهر آثارها مسجد الملكة أروى الذي لا يزال معروفًا إلى اليوم.
سادسًا: مسجد الملكة أروى... شاهد حجري على التاريخ:
يقف مسجد الملكة أروى في جبلة شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ اليمن.
وقد ارتبط المسجد باسمها، وأصبح لاحقًا موضعًا معروفًا يضم ضريحها.
وهكذا لم يبق اسم أروى في الكتب فقط؛ بل بقي حاضرًا في عمران اليمن.
فالحاكم قد يرحل، لكن:
كتابًا بناه،
ومدرسةً أسسها،
وطريقًا أصلحه،
ومسجدًا شيده،
قد يتحدث عنه قرونًا بعد رحيله.
وهذا أحد أسرار خلود الشخصيات التاريخية.
سابعًا: أروى والتعليم:
اهتمت أروى بالتعليم، والمؤسسات العلمية والدينية، وتشير المصادر إلى دعمها مراكز للتعليم والدراسة.
وتذكر جامعة الملكة أروى أن من آثارها التي بقيت في الذاكرة التاريخية نظام الأوقاف والمدارس العلمية، إلى جانب أعمال مرتبطة بالري والزراعة.
وهذا مهم جدًا؛ لأن بناء الدولة لا يكون بالسيف والسياسة فقط.
الدولة تحتاج إلى:
علماء،
ومدارس،
وأوقاف،
ومرافق،
وزراعة،
وطرق،
وإدارة.
والملكة أروى أدركت أن قوة الدولة لا تقوم على السلطة وحدها.
ثامنًا: أروى ،والاقتصاد، والزراعة:
لم يكن اهتمامها منصبًا على السياسة وحدها.
فالمصادر اليمنية التي تناولت سيرتها تشير إلى اهتمامها بأنظمة الري والزراعة والأوقاف.
وهذا يكشف جانبًا عمليًا من الحكم:
فالحاكم الناجح لا ينظر فقط إلى القصر والجيش، وإنما ينظر إلى:
الماء... والأرض... والطرق... والتعليم... ورعاية المجتمع.
ومن هنا تصبح تجربتها جزءًا من تاريخ الإدارة والتنمية في اليمن الوسيط.
تاسعًا: الملكة التي قاومت محاولات السيطرة عليها:
من أصعب مراحل حكم أروى أنها لم تكن دائمًا محاطة برجال يكتفون بتنفيذ سياستها.
فقد حاول بعض أصحاب النفوذ أن يفرضوا وصايتهم على القرار السياسي.
ومن أشهر الوقائع محاولة ابن نجيب الدولة التدخل في السلطة في أواخر عهدها، لكن أروى استطاعت أن تتجاوز هذه الأزمة وتحافظ على موقعها السياسي.
وهنا تظهر شخصية سياسية لا تقبل أن تتحول إلى واجهة رمزية.
كانت تريد أن تكون:
صاحبة قرار.
عاشرًا: لماذا سميت «السيدة الحرة»؟:
ارتبط اسم أروى بلقب:
الحُرَّة
وهو لقب يعكس مكانتها السياسية وشخصيتها المستقلة في المصادر التاريخية.
وقد أصبحت واحدة من أبرز النساء اللاتي وصلن إلى موقع الحكم الفعلي في العالم الإسلامي الوسيط.
واللافت أن اسمها لم يختفِ بانتهاء عصرها.
فقد بقيت سيرتها حاضرة في الذاكرة اليمنية، كما حملت مؤسسات حديثة اسمها، ومنها جامعة الملكة أروى في صنعاء التي تأسست عام 1996.
الحادي عشر: أروى بين التاريخ والإنصاف:
عند الحديث عن الملكة أروى ينبغي أن نكون منصفين ،ومنهجيين.
فهي كانت حاكمة في دولة صليحية ،كما أن تقييم تجربتها الدينية والسياسية يختلف بحسب المدارس والمصادر.
لكن ذلك لا يمنع دراسة جانبها التاريخي بوصفها:
حاكمة يمنية بارزة،
وشخصية نسائية مؤثرة،
وراعية للعلم والعمران،
وصاحبة تجربة سياسية استمرت عقودًا.
وهكذا نفرق بين التوثيق التاريخي وبين إصدار أحكام لا تخدم دراسة الشخصية.
الثاني عشر: ماذا بقي من أروى؟:
بقي اسم أروى في:
تاريخ اليمن السياسي.
كتب التاريخ والتراجم
مسجد الملكة أروى في جبلة
المؤسسات التعليمية التي حملت اسمها
الدراسات الحديثة عن الملكات المسلمات
الذاكرة الشعبية اليمنية
وهذا هو معنى الخلود التاريخي:
أن يتحول الإنسان من مجرد شخص عاش في زمن معين إلى جزء من ذاكرة أمة.
الثالث عشر: دروس من حياة الملكة أروى:
1 )العلم قبل السلطة:
فالإنسان قد يصل إلى السلطة، لكن العلم هو الذي يمنحه أدوات فهم الواقع.
2 )الإدارة تحتاج إلى الصبر:
الحكم ليس قرارًا واحدًا، وإنما سلسلة طويلة من المواقف والاختبارات.
3 ) العمران ذاكرة الشعوب:
فالمباني والمؤسسات قد تحمل أسماء أصحابها قرونًا طويلة.
4 ) المرأة قادرة على صناعة أثر تاريخي:
والتاريخ الإسلامي نفسه يضم نماذج نسائية وصلت إلى مواقع سياسية مؤثرة.
5 ) أعظم ما يتركه الحاكم ليس اسمه:
بل ما يتركه للناس من علم وعمران ومؤسسات وأثر.
الخاتمة:
كانت أروى الصليحية امرأة من زمن مختلف...
زمن كانت فيه الطرق طويلة،
والأخبار تصل ببطء،
والمدن محاطة بالمخاطر،
والسلطة امتحانًا يوميًا.
ومع ذلك استطاعت أن تبقى في مركز الحكم عقودًا طويلة.
لم تكن قصتها قصة تاج فحسب.
كانت قصة:
علمٍ وإدارة،
وسياسةٍ وعمران،
وقرارٍ وصبر،
وامرأةٍ تركت اسمها في ذاكرة اليمن.
رحلت الملكة أروى...
لكن جبلة ما زالت تروي شيئًا من قصتها،
والمسجد ما زال يحمل اسمها،
والكتب ما زالت تحفظ سيرتها،
والتاريخ ما زال يسألنا:
كم من إنسان عاش سنوات... ثم نُسي؟
وكم من إنسان ترك أثرًا... فعاش قرونًا؟
وهكذا تستحق أروى أن تكون واحدة من:
نِسَاءٍ خَلَّدَهُنَّ التَّارِيخُ.
قصيدة: أَرْوَى... سَيِّدَةُ اليَمَن:
أَرْوَى أتَتْ واليمنُ في أحداثِها
فغدتْ لعزمِها وراياتِها عَلَمَا
ما كانَ عرشُ الملكِ زينةَ مجلسٍ
لكنْ حملتْ أعباءَهُ هِمَمَا
بالعلمِ شادتْ للمعارفِ منبرًا
وبنتْ من الآثارِ مجدًا محكما
وجَبَلَةٌ حفظتْ خطاها شاهدًا
ومساجدُ التاريخِ تروي ما نما
إنَّ الملوكَ وإن تطاولَ حكمُهم
يبقى من الآثارِ ما كانَ انتمى
والمرءُ ليسَ بما ارتدى من تاجِهِ
لكنْ بما تركَ الحياةَ بهِ نَعَمَا
أَرْوَى، وإن غابتْ عن الدنيا، فما
غابَ الأثرُ؛ فبقيتْ لنا عَلَمَا
المراجع العربية :
١)همداني، الحسن بن أحمد، دراسات تاريخية عن اليمن
٢)جامعة الملكة أروى – اليمن، السيرة التاريخية للملكة أروى.
٣)المصادر التاريخية اليمنية المعتمدة عن تاريخ اليمن وجبلة
التعليقات الأخيرة