news-details
مقالات

إعادة تشخيص الواقع العراقي: بين الموروث الأخلاقي ومتطلبات التأسيس الرشيد

 


بقلم/ رئيس إتحاد القبائل العراقية 
عدنان صگر الخليفه 

إن الكتابة في لحظات التحول الكبرى لا تحتمل التزويق اللفظي ولا الخطابات الإنكارية التي تُغطي على الشواخص؛ بل تتطلب شجاعة ونقاءً في التشخيص لتلمس جوهر الأزمة. يعيش العالم اليوم على إيقاع مواجهات ومحاور حادة تُسخّر فيها أحدث التقنيات القاتلة، بينما يقف العراق في قلب هذا التداعي محَمَّلاً بأزماته الداخلية المشهودة، حيث تُسلب الحقوق ويُستنزف الوطن. وأمام هذا المشهد، تصبح المكاشفة الذاتية واجباً أخلاقياً وتاريخياً يسبق أي نقد خارجي.
تضعنا المراجعة الصريحة أمام حقيقة مفهومية غاية في الدقة؛ وهي الفرق الشاسع بين "الادعاء والانتساب" وبين "التطبيق والاتباع العملي". إن التسميات والعناوين العقائدية الأصيلة ليست شارات موروثة ولا أغطية تُمنح عفوياً، بل هي مسار أخلاقي وسلوكي يفرض التطابق الميداني مع قيم العدل، ونزاهة اليد، وحفظ حقوق الناس كافة دون تمييز. وهنا يظهر الفارق الجوهري بين من يجهد لإعلاء النهج الأخلاقي لرموزه التاريخية والدينية بعمله ونزاهته، وبين من يعتلي تلك الأسماء والمقدسات ليتخذ منها جسراً للوصول إلى السلطة، وتغطية الفساد، وتبرير التردي الإداري والخدمي.
إن تقديم نموذج حافل بالتراجع التنفيذي، وتفشي الفساد، والجهل، والتبعية، تحت لافتات براقة، لا يضر بالواقع المعاش فحسب، بل يمتد ضرره ليصيب النهج الأخلاقي ذاته في أذهان الآخرين، ويمنح الخصوم ذريعة مجانية للطعن في أصل الفكرة والرسالة التي قام عليها الموروث الإيماني في إقامة القسط.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فإن الفهم الذي يربط بين انتظار العدل وبين إشاعة الظلم والجور يمثل مغالطة فكرية وأخلاقية منافية لجوهر التكليف الإنساني. لقد وضع الله الإنسان في موقع الاختيار والمسؤولية عن أفعاله، وإقامة مجتمعات الحق لا تتأتى عبر المعجزات المنفصلة عن حركة الواقع، بل تتطلب إيجاد البيئة الصالحة والقاعدة الإنسانية الصلبة. فالعدل لا يُبنى بأدوات الجور، وصاحب مشروع الإصلاح لا يمكن أن يستعين بمن ساهم في هدر حقوق الرعية أو نهب ثرواتها.
وهنا نصل إلى حقيقة مطلقة لا بد من وضعها بنقاء تام أمام كل من يسعى لبناء غدٍ مختلف؛ وهي أن المتطلبات الاستراتيجية لبناء دولة مواطنة مقتدرة لا يمكن أن تتحقق مطلقاً من خلال التمسك بآليات المحاصصة القائمة أو المنظومة التشريعية والإدارية التي صيغت أساساً لتوزيع المغانم وحماية المصالح الضيقة للأحزاب المتمسكة بالسلطة. إن الرهان على إصلاح البناء الداخلي من خلال القواعد ذاتها التي أنتجت الخلل هو استمرار في الدوران داخل الحلقة المفرغة.
إن الشروع في بناء العراق يستوجب الجرأة في وضع الأخطاء التراكمية أمام أعين الجميع لتتحول إلى خريطة طريق تحذر من تكرار المسار الذاتي. إن بناء الوطن يتطلب هدم المفاهيم المغلوطة والقطع مع أدوات الفشل، وإعادة التأسيس وفق رؤية وطنية طويلة المدى يخطها شرفاء هذا الوطن من كل أطيافه؛ شباباً وكهولاً ومؤسسات. رؤية تتجاوز الاستقطابات الفئوية، وتعتمد التجريد الكامل، وتضع الكفاءة والأمانة وسيادة القانون فوق كل اعتبار، ليكون الإنسان العراقي وكرامته هما الغاية والأساس.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا