الاستبدال *
ملفينا توفيق ابومراد / لبنان
*
معنى الاستبدال أن نبدّل شيئًا بشيء آخر، قد يكون مشابهًا له، حسب الحاجة.
أما استبدال الإنسان بآخر، فهو أمر يحدث كثيرًا عند انتفاء المصلحة أو انقضاء الحاجة، رغم الإلحاح في طلب المساعدة. وعند نيل المطلب، يختفي من نال مطلبه، وينتقل إلى مصلحة أخرى مع شخص آخر.
على سبيل المثال: أخت ترى في أختها ما ليس لديها أو معها، فتطلب منها المساعدة، ربما بحكم الأخوة وصلة الرحم، أو لأن هذه الأخت طيبة ولا تردّ سائلًا. فتساعد أختها من مالها ووقتها، وربما من صحتها أيضًا.
وعندما تنال الأخت طالبة المساعدة مبتغاها، تشكرها بلسانها ثم تختفي، حتى السلام ينتفي عندها. ومهما وقعت الأخت الطيبة في مشاكل أو مصائب، تنسى وجود أختها ولا تسأل عنها.
وهنا يصبح الإنسان قابلًا للاستبدال، ما دامت الحاجة قائمة، ثم يُستبدل متى انتهت الحاجة.
ـ أو أن يستبدل الإنسان نفسه بغير حاله وعقله ومفاهيمه، فيتقنّع بقناع قد يقوده إلى الشر الذي لم يكن يحسب حسابه.
عند البعض نعم.
فمن يدّعي الغنى، قد يتبرقع بقناع الوجاهة، ويستدين لينفق على نفسه، ويبذخ على غيره، ربما ليرضي نفسه بعد فقر أو تهميش، وربما لاستدرار الأصدقاء والأصحاب ورضى الأهل.
لكن إلى متى يستمر الزيف؟
حتى ينقشع القناع وتظهر الحقائق. وقد يصل الأمر إلى تعرّض هذا المدّعي للمساءلة القانونية والسجن. عندها ينفضّ كل من كان على موائده وفي رفقته، ويصبح وحيدًا يجرّ أذيال الخيبة، كما يقول المثل الشعبي:
«بينفخ الدف وبيتفرّق العشّاق.»
فلا يعود من مشتاق، ويبقى وحده يتحمّل مرارة المشاق.
هو على نفسه الجاني بكل المعاني.
ـ أمّا غيره، فيستبدل حسب انتفاء الحاجة إليه.
وعلى سبيل المثال، حدثت وتحدث مثل هذه الأمور:
ورث إخوة قطعة أرض كبيرة، وكانت الأخوات أكبر سنًا من الإخوة. وكان للأخوات تعبٌ في ثمن الأرض، لمشاركتهن والدهنّ ومدّه بالمال عند شرائها، إضافة إلى أن جزءًا من الأرض كان الأب قد ورثه عن أبويه.
وبعد فترة، وقبل وفاة الوالدين، عرض الأب على أولاده تقسيم إرثه في حياته.
الأخوات، لطيبتهن، تمسّكن بأن يرثن بيت الأبوين، على أن تكون قطعة الأرض لهنّ، لأن لهنّ فيها تعبًا ومساهمة.
لكن الأب كتب البيت لأبنائه الشباب، وأدخل الشباب مع البنات في قطعة الأرض بحصص متساوية.
بعد وفاة الأبوين، ولطمعٍ مضمر في نفوس الإخوة، اقترحوا أن تُستعمل الأرض للبناء التجاري، وبعدها يأخذ كلٌّ منهم حصته.
وبالحيلة، حصلوا على وكالات من الأخوات للبيع.
وعندما رأت الأخوات أنهن لن ينلن شيئًا، وأن ما أُنجز وبِيع أصبح ماله كله للإخوة، ثارت إحداهن. وبعد خلافات ومشاكل، وقبل الوصول إلى المحاكم، حصلت كل أخت على ما قرره لها الإخوة، فرضين بذلك.
لكن عند التنفيذ، حاول الإخوة المماطلة حتى تنتهي مدة عقد البيع، فتعود الحصص إلى الإخوة، ولا يبقى للأخوات شيء.
هنا وقعت الخلافات، ووصل الأمر إلى المحاكم.
وهكذا، لم يعد للأخوات مكان في قلوب إخوتهم، ولا بقيت الأخوة كما كانت، وسادت العداوة، وللأسف أصبح ما جمعهم يومًا سببًا في فرقتهم.
وهذا أيضًا وجه من وجوه الاستبدال: حين تُستبدل الأخوة بالمصلحة، والمودة بالطمع، والرحم بالحساب.
وهذه ليست إلا غيضًا من فيض من صور الاستبدال التي تحدث في الحياة؛ فالإنسان قد يستبدل إنسانًا بآخر، أو حقيقةً بقناع، أو مودةً بمصلحة، أو حتى نفسه بحقيقة غيره، ثم يكتشف متأخرًا أن بعض الأشياء يمكن استبدالها، أما آثارها في النفوس فلا تُستبدل بسهولة.
ميزان من الحياة و عبر للحياة ، مع عبرات و جحود .
٢٠٢٦/٩/٢٩
التعليقات الأخيرة