news-details
مقالات

بين اختبار "جُندي الإصلاح" وفخ باريس: هل أُسيء تقييم الزيدي أم أُريد إحراقه سياسياً؟

 


بقلم/ عدنان صگر الخليفة
رئيس إتحاد القبائل العراقية 
المشرف العام لتجمع أهل العراق 

في عالم السياسة العراقية المليء بالتحولات السريعة، لا تقتصر دلالات الألقاب والتسميات على قيمتها البلاغية، بل تتحول إلى اختبارات حقيقية للمشاريع السياسية وحدود التزامها. ومن هنا، يكتسب لقاء باريس بين رئيس مجلس الوزراء السيد علي فالح الزيدي ورئيس بنك روتشيلد، السيد إدوار دي روتشيلد، أبعاداً استراتيجية تتجاوز ملف الاستثمار، لتصل إلى صلب الصراع السياسي المحتدم في بغداد حول مستقبل الحكومة وسلاح الدولة.
لقد جاء هذا اللقاء في وقت بالغ الحساسية؛ حيث يواجه رئيس الحكومة استحقاقاً زمنياً فرضته تطورات الأوضاع، والمتمثل في مهلة الثلاثين من أيلول/سبتمبر 2026 لإغلاق ملف الوجود المسلح وحصر السلاح بيد الدولة. غير أن الحركة البروتوكولية في باريس أعادت فتح الأسئلة الكبرى حول طبيعة الأجندة التي يحملها رئيس الوزراء، والجهات التي صممت مسار هذه الزيارة.
أولاً: تسمية "جُندي الإصلاح" أمام الامتحان المالي الدولي
حين أطلق السيد مقتدى الصدر وصف "جُندي الإصلاح" على السيد علي فالح الزيدي، قُرئت التسمية في حينها كإشارة دعم وتزكية لمساره في ضبط الإدارة وإصلاح مؤسسات الدولة. غير أن الشارع السياسي يتساءل اليوم: هل كان هذا التصريح بناءً على قراءة مبكرة لمواقف مبدئية، أم أن رئيس الحكومة استُدرج لاحقاً نحو خطوات سياسية ومالية تُعقد وضعه الداخلي؟
إن الذهاب إلى لقاء مباشر مع سلالة "روتشيلد" – وهي السلالة التي تمتلك الإرث التاريخي الأكبر في تمويل الاستيطان وتأسيس الكيان الصهيوني على أرض فلسطين – يضع رئيس الوزراء في مواجهة صريحة مع الإرث التشريعي الذي قاده التيار الصدري نفسه عندما أقر قانون حظر التطبيع (رقم 1 لسنة 2022). وهنا يبرز التناقض الشديد: كيف يمكن لـ "جُندي الإصلاح" أن يتحرك في مسارات تتقاطع مع روح التشريع الوطني الأساسي المحرّم لأي تواصل مباشر أو غير مباشر مع مؤسسات يديرها ركائز الدعم الصهيوني؟
ثانياً: فخ الإطار أم الاشتراطات الأمريكية؟
يقف التحليل السياسي أمام فرضيتين رئيسيتين لتفسير هذا اللقاء:
سيناريو "التوريط الناعم" من قوى الإطار والتنسيق: قد تكون هذه الحركة بتوجيه وضوء أخضر من قوى "إدارة الدولة" والإطار التنسيقي، بهدف إدخال رئيس الحكومة في منطقة رمادية شعبياً وقانونياً. ويهدف هذا المسار إلى سحب الغطاء السياسي والشرعية الإصلاحية عنه، وتجريده من ورقة التزكية الوطنية قبل حلول التواريخ الحاسمة لملف السلاح، مما يسهل عملية إزاحته أو إضعاف موقفه عند استحقاق أيلول 2026.
سيناريو "الامتحان الأمريكي والامتثال الدولي": تعكس الخطوة التزاماً صارماً بالشروط والغايات التي تفرضها واشنطن والمؤسسات المالية الغربية لدمج الاقتصاد العراقي في المنظ المنظومة الدولية، حتى لو كان ذلك على حساب الكلفة السياسية الداخلية لرئيس الوزراء، مما يظهره بمظهر النافذ لأجندة خارجية تبتعد عن الأولويات الوطنية.
ثالثاً: موقف القيادة الصدرية والخيارات القادمة
أمام هذا المشهد، يتطلع الشارع العراقي إلى كيفية تعاطي قيادة التيار الصدري مع هذا التطور: هل سيصر رئيس الوزراء على إثبات ثباته على مسمى "الإصلاح" من خلال تقديم إيضاحات رسمية حاسمة تنفي أي تواصل استراتيجي مع هذه المؤسسات وتؤكد الالتزام بقانون حظر التطبيع؟ أم أن هذا اللقاء سيكون السبب في سحب وصف "جُندي الإصلاح"، وإعادة تصنيف رئيس الحكومة ضمن الخانات السياسية التي واجهت انتقادات شعبية واسعة؟
الخلاصة
إن لقاء باريس لم يكن مجرد اجتماع مصرفي، بل كان محطة فاصلة كشفت عن شبكة تعقيدات محيطة برئيس مجلس الوزراء. وسواء وحشنى كان اللقاء فخاً سياسياً أُعدّ بإحكام داخل بغداد، أم خطوة غير محسوبة العواقب في محاولة لإرضاء مراكز القرار الدولي، فإن النتيجة واحدة: رئيس الحكومة يقف الآن عند مفترق طرق حرج، إما أن يحافظ على بوصلته الوطنية والقانونية، أو أن يحترق في أتون المعادلات المالية والدولية المركبة.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا