news-details
مقالات

تجهيل الشعوب باسم المقدّس: بين رسالة «اقرأ» وأزمة التعليم في العراق

 


بقلم/ عدنان صگر الخليفة
رئيس إتحاد القبائل العراقية 
المشرف العام لتجمع أهل العراق 

إن التباين الحاد والمؤلم بين عمق الرؤية المعرفية والحضارية التي انطلقت منها الرسالة الإسلامية الأولى، وبين الواقع التعليمي والخدمي المتردي الذي تعيشه أحياء العراق وشعبه اليوم، يضع اليد على الجرح الأساسي لمأساة التنمية والمستقبل في بلد يعوم على ثروات تريليونية تُصرف على منافذ الفساد والهدر التنفيذي. فعندما اصطفى الله سبحانه وتعالى نبي الرحمة محمداً ﷺ، لم تكن بداية الوحي الإلهي مجرد دعوة للتلاوة والطقوس، بل كانت إرساؤاً للمنهج المعرفي الكامل للنهضة الإنسانية، حين نزل صدر سورة العلق بأمره الصريح اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. إن هذا الاقتران المباشر والواضح بين القراءة والقلم يؤكد أن العلم وتدوين المعرفة هما الشرط الأساسي لبناء الإنسان الصالح، وفهم التاريخ والماضي، واستشراف المستقبل، ومعرفة الأحكام والواجبات والدفاع عن الحقوق. ولتأكيد هذا المنهج عملياً في أرض الواقع، اشترط النبي الكريم في معركة بدر على أسرى المشركين ممن يجيدون الخط والكتابة أن يعلّم كل منهم عشرة من صبيان المسلمين القراءة والكتابة لقاء إطلاق سراحهم؛ في أروع شاهد تاريخي على تقديم سلاح العلم والمعرفة والوعي على المكاسب المادية والغنائم والحروب.
لكننا اليوم، ونحن نعيش في قلب القرن الحادي والعشرين وفي عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة، نجد أن حكام العراق وسياسييه والمتنفذين على مقدرات الشعب يذهبون بمجتمعاتنا نحو التجهيل الممنهج والتهميش الخدمي القاسي. وتتجلى هذه المأساة في البنية التحتية المنهكة للتعليم، والنقص الحاد في المدارس الذي فرض نظماً قسرية كالدوام الثلاثي والمزدوج ليُسرق التحصيل الفعلي لأبنائنا، ناهيك عن ظاهرة المدارس الكرفانية المتهالكة التي تمثل واجهة المعاناة الحقيقية في المناطق المحرومة والمظلومة كمنطقة سبع قصور. هناك يُحشر عشرات الطلاب والأطفال في كرفانات ضيقة لا تتجاوز مساحتها ثلاثة في أربعة أمتار، تحت ظروف جوية وصحية غير إنسانية، بينما يكتفي المسؤولون في الحكومة ورئاسة مجلس الوزراء بزيارات استعراضية للمناطق المرتاحة والمدارس النموذجية المخدومة ليصنعوا صورة إعلامية زائفة، متجاهلين الكثافة السكانية والأحياء الشعبية التي تعاني الفقر والعطش والجهل.
إن هذا التناقض الصارخ يتبدى بوضوح في المواسم الانتخابية التي تتكرر كل بضع سنين، حيث يتوافد المرشحون والمسؤولون، ومنهم السيد محمد شياع السوداني قبل وصوله لرئاسة الوزراء، ليقطعوا للناس عهوداً براقة بالخدمات وبناء المدارس. غير أن الوعود الشفهية تتبخر فور الوصول إلى السلطة والجلوس على الكراسي، لتبقى الحقيقة الناصعة التي يجب أن تُقال في وجه كل مسؤول: لا تعد بشيء لا تستطيع فعله أو لن تفعله، لأنك ستكون كاذباً وغير لائق بحمل المسؤولية. ومع ذلك، يتواصل استغلال هذه المناطق المحرومة وتحويل مطالب أبنائها المشروعة إلى مجرد بطاقات انتفاع انتخابي تُرفع قبيل الاقتراع وتُطوى فور انتهائه.
وما يزيد الطين بلّة والألم عمقاً، أن هؤلاء المسؤولين والمتنفذين يدعون أنهم يتأسون ويسيرون على منهج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي قال النبي ﷺ في حقه: أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها. فكيف يصح هذا الادعاء ممن يمارسون تجهيل المجتمعات وإبقائها تحت خط الفقر والحرمان؟ إن منهج أمير المؤمنين لم يكن مجرد شعارات، بل كان منهجاً للعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، والرعاية المباشرة لأفقر الرعية، وتقديس العلم والبصيرة؛ إذ هو القائل لا غِنى كالعَقل، ولا فَقرَ كَالجَهل، والقائل كذلك مَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلاَّ بِمَا مَتَّعَ بِهِ غَنِيٌّ. وإن تحويل النهضة العلوية والحسينية العظيمة إلى مجرد طقوس وشعارات مفرغة من العقل والمنهاج والفكر والبرنامج الحضاري، واختزالها في اللطم والنواح الشكلي دون توعية ودون بناء مدرسة واحدة تليق بأبنائنا، إنما يهدف إلى إبقاء الناس غارقين في العاطفة والجهل؛ لأن المجتمع المتعلم والواعي صعب الانقياد، يحاسب المسؤول، ويسأل عن الميزانيات، ويرفض الوعود الزائفة والمدارس الكرفانية، بينما المجتمع المُجهَّل يسهل استغفاله وتوجيهه بالعاطفة لإعادة تدوير الوجوه ذاتها.
وهنا يبرز التساؤل المُرّ الذي يفرض نفسه بقوة وحرقة على ضمير المجتمع العراقي الغافل: هل كتب على هذه الفئات الفقيرة والمحرومة أن تكون فقط وقوداً للمعارك ودرعاً يتفدى به المتنفذون وحكام السلطة لحماية عروشهم ومقدراتهم عندما يتهدد الخطر، ليُتركوا ويُهملوا حينما تتسع الكراسي لجلوس المسؤولين وتوزع الغنائم؟ ولماذا تنتشر صور الشهداء والضحايا وتكتظ بها أزقة الأحياء الشعبية والمناطق الفقيرة دون غيرها من مناطق النخب والمتنفذين، ثم يُطالب هؤلاء الفقراء بتقبل الفقر والجوع والموت والتضحية تحت دعوى أن الله سيجزيهم في الآخرة، بينما يتمتع المسؤولون وأبناؤهم بالثروات التريليونية، والراحة المادية، وأرقى مستويات التعليم في الخارج؟ إن إبقاء المجتمعات الفقيرة تحت خط الفقر وتغييب التوعية التاريخية والحضارية عنها ليس مجرد عجز مالي، بل هو استراتيجية هيمنة وتخدير باسم الدين لتبرير التفاوت الطبقي الفاحش. ولا يمكن لشرارة الإصلاح أن تنطلق إلا عندما يستفيق المجتمع من غفلته، ويتسلح بالسلاح الأول لرسالة الإسلام وهو القلم والعلم، ليجرد مدعي المسؤولية من أغطيتهم الزائفة، وينتزع حقوق أبنائه في التعليم الكريم، والخدمات، والعدالة الاجتماعية الملموسة على أرض الواقع.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا