news-details
مقالات

نِسَاءٌ خَلَّدَهُنَّ التَّارِيخ : المقال الخامس عشر: "الشَّفَاءُ بِنْتُ عَبْدِ اللهِ القُرَشِيَّةُ رضي الله عنها.امرأةٌ سبقت عصرها بالعلم والحكمة

 

".
بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
 المقدمة:
حين نقرأ تاريخ الحضارة الإسلامية، نكتشف أن المرأة المسلمة لم تكن يومًا هامشًا في صناعة التاريخ، بل كانت في مواضع كثيرة عالمةً ،ومعلِّمةً ،وراويةً، ومربِّيةً ،وصاحبةَ رأيٍ وموقف.
ومن بين النساء اللواتي تركن أثرًا واضحًا في صدر الإسلام تبرز شخصية الشفاء بنت عبد الله القرشية العدوية رضي الله عنها؛ تلك الصحابية التي عُرفت بالعقل ،والفضل، وكانت من أوائل النساء اللاتي عُرفن بالقراءة ،والكتابة في مكة، حتى أصبحت الكتابة التي تعلمتها وسيلةً لتعليم غيرها.
ولم تقف رسالتها عند حدود العلم، بل ارتبط اسمها كذلك بالحكمة ،والمشورة، حتى ورد في كتب التراجم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقدّمها في الرأي ،ويرعاها، كما وردت روايات عن إسناده إليها شيئًا من أمر السوق.
وهنا تبدأ حكاية امرأةٍ لم تطلب الخلود، وإنما خلّدها أثرها.
أولًا: من هي الشفاء بنت عبد الله؟:
هي الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس العدوية القرشية، وكانت من المهاجرات الأول، وأسلمت بمكة قبل الهجرة، وبايعت رسول الله ﷺ.
وتذكر المصادر أن اسمها كان ليلى، واشتهرت بلقب الشفاء.
وكانت من النساء المعروفات بالعقل، والفضل، حتى وصفها الذهبي بأنها من عقلاء النساء، وفضائلهن.
لقد عاشت الشفاء رضي الله عنها في مرحلة تأسيس المجتمع الإسلامي، ولذلك لم تكن مجرد شاهدة على التاريخ، بل كانت جزءًا من ذلك الجيل الذي أسهم في بناء الإنسان المسلم.
 ثانيًا: امرأةٌ عرفت الكتابة في زمنٍ نادر:
من أعظم ما اشتهرت به الشفاء رضي الله عنها معرفة الكتابة، وتعليمها.
وفي مجتمع كانت فيه الكتابة محدودة الانتشار، اكتسبت الشفاء مكانةً مميزة بسبب معرفتها بها، حتى رُوي أن النبي ﷺ قال لها بشأن حفصة رضي الله عنها:
«عَلِّمِي حَفْصَةَ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِهَا الْكِتَابَةَ».
أن الشفاء رضي الله عنها كانت قد علّمت حفصة رضي الله عنها الكتابة، ثم طلب منها النبي ﷺ أن تعلّمها أيضًا رُقية النملة.
إذن «رُقية النملة» شيء، و«الكتابة» شيء آخر.
 والمقصود بـ«النملة» مرضٌ جلدي، وكانت له رُقية معروفة، فجمع النبي ﷺ في توجيهه بين تعليم الكتابة ،وتعليم هذه الرقية.
وهذه الرواية تكشف لنا قيمة مهمة للغاية:
أن المرأة في المجتمع الإسلامي الأول كانت حاضرة في مجال التعليم ونقل المهارات، وأن العلم لم يكن حكرًا على الرجال.
فالشفاء لم تحتفظ بما تعلمته لنفسها، وإنما نقلت المعرفة إلى غيرها.
وهذه هي صناعة الأثر الحقيقي:
أن يتحول العلم الذي في عقلك إلى نورٍ في عقول الآخرين.
 ثالثًا: الشفاء معلِّمة قبل أن تكون متعلمة:
إن أجمل ما في شخصية الشفاء رضي الله عنها أنها لم تنظر إلى العلم باعتباره وجاهة اجتماعية.
لقد أصبحت معلِّمة.
وتذكر المصادر أن من تلاميذها وأهل الرواية عنها عددًا من أهل بيتها وغيرهم، كما روت عن النبي ﷺ وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وهنا درس حضاري عظيم:
العلم الذي لا يُنقل يموت، والعلم الذي يُعلَّم للناس يبقى صاحبه حيًّا في أثره.
 رابعًا: مكانتها عند رسول الله ﷺ:
كانت الشفاء رضي الله عنها من المهاجرات الأول، وكانت لها مكانة ظاهرة في المجتمع المدني.
وتذكر كتب التراجم أن النبي ﷺ كان يزورها ويقيل في بيتها، وأنه أقطعها دارًا بالمدينة.
وهذه الأخبار تدل على حضورها الاجتماعي ،ومكانتها بين المسلمين في ذلك الجيل.
ولم تكن مكانتها بسبب نسبها فقط، وإنما بسبب علمها ،وعقلها ،وفضلها.
خامسًا: امرأةٌ ذات رأي، ومشورة:
ومن أبرز الجوانب التي تجعل الشفاء شخصية جديرة بأن تُذكر في تاريخ المرأة المسلمة، ما ورد عن علاقتها بعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
فقد نقلت كتب التراجم أن عمر رضي الله عنه كان يقدمها في الرأي ،ويرضاها، ويفضلها، وورد كذلك أنه ربما ولاها شيئًا من أمر السوق.
وكانت الشفاء امرأة ذات عقل ورأي، وكان لها حضور معتبر في المجتمع الإسلامي الأول.
 سادسًا: ماذا نتعلم من الشفاء؟:
سيرة الشفاء رضي الله عنها ليست قصة امرأة عاشت في القرن الأول الهجري فحسب، وإنما تحمل رسائل تصلح لكل زمان.
الرسالة الأولى:
لا تجعل محدودية الظروف حجةً لقتل الطموح.
الرسالة الثانية:
العلم الحقيقي هو الذي ينتقل من صاحبه إلى المجتمع.
الرسالة الثالثة:
المرأة تستطيع أن تخدم أمتها بالعلم، والتربية، والرأي، والحكمة.
الرسالة الرابعة:
المكانة الحقيقية لا يصنعها المظهر، وإنما يصنعها العلم، والأثر ،وحسن السيرة.
الرسالة الخامسة:
قد يكون الإنسان صاحب أثر عظيم دون أن يبحث عن الشهرة.
 الشفاء بنت عبد الله... مدرسة لا مجرد شخصية
لو أردنا أن نختصر شخصية الشفاء رضي الله عنها في كلمات قليلة، لقلنا:
امرأةٌ آمنت، وتعلمت، وعلّمت، وفكرت، ونصحت، وشاركت في بناء مجتمعها.
وهذا هو سر خلودها.
فالتاريخ لا يحفظ دائمًا أصحاب الأموال والسلطة، وإنما يحفظ أصحاب الأثر.
والشفاء واحدة من النساء اللواتي أثبتن أن المرأة المسلمة في فجر الإسلام كانت قادرة على أن تكون صاحبة علم ،ورسالة، وحضور اجتماعي.
 أبيات في الشفاء بنت عبد الله
شفاءُ بنتُ عبدِ اللهِ فخرٌ ساطعُ
بالعلمِ في دربِ الهدى تتتابعُ
علَّمتْ فأصبحَ للمعارفِ روضةٌ
وبفضلِها في العلمِ نورٌ لامعُ
كانتْ من الأُوَلِ الذينَ هاجروا
وبعقلِها بينَ الرجالِ تُراجعُ
تبقى سيرتُها لكلِّ معلِّمٍ
درسًا بأنَّ العلمَ أثرٌ نافعُ
الخاتمة :
لم تكن الشفاء بنت عبد الله رضي الله عنها امرأةً تبحث عن مكانٍ في صفحات التاريخ؛ بل كانت تصنع مكانها بالعلم، والعمل.
عرفت قيمة القلم في زمنٍ كان القلم فيه نادرًا، وعرفت قيمة التعليم، فلم تحتكر المعرفة، بل نقلتها إلى غيرها.
وهكذا بقي اسمها شاهدًا على حقيقة عظيمة:
أن الحضارات لا تبنيها السيوف وحدها، وإنما تبنيها العقول التي تعرف كيف تكتب، وتعلّم، وتفكر، وتربي الأجيال.
ومن هنا نستطيع أن نقول:
إن الشفاء بنت عبد الله لم تكن امرأةً عاشت في التاريخ فحسب، بل كانت واحدةً ممن أسهموا في صناعة بدايات الحضارة الإسلامية.
رحم الله الشفاء، ورضي عنها، وجزى نساء الإسلام الأوائل خير الجزاء؛ فقد تركن لنا إرثًا من العلم ،والإيمان ،والعمل لا يزال يضيء الطريق للأجيال.
المراجع والمصادر:
١)الذهبي، سير أعلام النبلاء، ترجمة الشفاء بنت عبد الله.
٢)ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، ترجمة الشفاء بنت عبد الله.
٣)ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ترجمة الشفاء بنت عبد الله.

 

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا