سلسلة مقالات بحثية: قُضَاةُ العَدْلِ:" أَعْلَامٌ غَيَّرُوا وَجْهَ الأُمَّةِ". المقال الأول:" شُرَيْحُ القَاضِي: قاضي الكوفة."رمزُ الاستقلال، والإنصاف
"
بقلم / الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة: حين يكون القاضي أقوى من سطوة المنصب:
لم يكن القضاء في الحضارة الإسلامية مجرد وظيفةٍ إدارية، ولا كرسيًّا يجلس عليه صاحبه ليفصل بين الناس؛ بل كان أمانةً تُختبر فيها التقوى، والعلم، والشجاعة، واستقلال الضمير.
ومن بين أعلام القضاء الذين تركوا أثرًا خالدًا في التاريخ الإسلامي يبرز اسم شُرَيْح بن الحارث الكندي، أبو أمية، قاضي الكوفة؛ ذلك الرجل الذي ارتبط اسمه بالعدل، والفطنة، ودقة النظر، حتى نُقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال له: «أنت أقضى العرب».
وقد امتد عمل شريح في القضاء عقودًا طويلة، حتى عُدَّ من أشهر قضاة صدر الإسلام، وعاصر عددًا من الخلفاء، وظل اسمه حاضرًا في كتب التراجم، والفقه، والقضاء.
أولًا: من هو شُرَيْح القاضي؟:
هو أبو أمية شُرَيْح بن الحارث بن قيس الكندي، وقيل في نسبه غير ذلك، وقد اختلف المؤرخون في بعض تفاصيل نسبه وفي إدراكه للنبي ﷺ؛ والمشهور عند عدد من أئمة التراجم أنه تابعي ثقة، أدرك زمن النبي ﷺ ولم تثبت له صحبة صحيحة على القول المشهور.
وكان من أهل اليمن ثم انتقل إلى العراق، واشتهر بالكوفة، حيث تولى القضاء في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقد وثقه يحيى بن معين، وعدَّه العجلي من الثقات. وروى عنه عدد من كبار التابعين، منهم الشعبي، وإبراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين، وقيس بن أبي حازم.
ولم يكن شريح قاضيًا فحسب، بل كان صاحب فقه ،وفطنة، وأدب، وشعر، ووصفه المؤرخون بالذكاء، والمعرفة ،والعقل.
ثانيًا: كيف وصل شريح إلى القضاء؟:
تروي المصادر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اختبر فقه شريح في قضيةٍ تتعلق بفرس، فحكم شريح وفق ما ظهر له من الحجة، فأُعجب عمر بقضائه، ثم ولاه قضاء الكوفة.
وهنا تظهر قاعدة عظيمة:
لم يكن معيار اختيار القاضي قربه من السلطة، وإنما قدرته على إقامة الحق.
وتذكر الروايات أن عمر جعل لشريح رزقًا على القضاء، ومن الروايات أنه كان مائة درهم.
وقد امتدت ولايته على قضاء الكوفة زمنًا طويلًا جدًا؛ وتذكر المصادر روايات مختلفة في مقدار المدة، أشهرها ستون سنة، بينما ذكر علي بن المديني أنها كانت ثلاثًا وخمسين سنة بالكوفة، وسبع سنين بالبصرة.
ثالثًا: مدرسة شريح في القضاء:
كان شريح يؤسس حكمه على قاعدة واضحة: لا حكم بلا بيِّنة، ولا قضاء بالهوى، ولا تمييز بين الخصوم لمكانتهم.
وقد نُقل عنه قوله:
«الخصم داؤك، والشهود شفاؤك».
والمعنى أن القاضي لا يبني حكمه على الانطباع الشخصي عن الخصم، وإنما يبحث عن الحجة، والشهادة ،والدليل.
وهذا يتفق مع الأصل القرآني العظيم:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾
[النحل: 90].
وقوله سبحانه:
﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾،[النساء: 58]
فالقضاء عند شريح لم يكن انتصارًا لأحد الخصمين، وإنما كان بحثًا عن الحق وفق ما يثبت أمام القضاء.
رابعًا: شريح والاستقلال أمام أمير المؤمنين:
من أشهر ما يُذكر في سيرة شريح قصة خصومة علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع رجل من أهل الكتاب بشأن درع.
وتروي المصادر أن عليًا وجد درعه عند الرجل، فاختصما إلى شريح، فسأل شريح عليًا عن البينة، فذكر علي شهادة ابنه الحسن وقنبر، ولم يقبل شريح شهادة الابن لأبيه وفق القاعدة التي كان يعمل بها في ذلك الباب، فلم يحكم لمجرد كون المدعي هو أمير المؤمنين.
وهنا ينبغي أن نكون علميين: قصة الدرع لها طرق وروايات متعددة، وقد تكلم أهل الحديث في بعض أسانيدها.
والدرس الأهم فيها ليس الحكاية وحدها، وإنما المبدأ القضائي الذي تجسده الرواية: مكانة المدعي السياسية لا تغني عن الدليل.
خامسًا: شهادة علي لشريح:
ومن أقوى ما اشتهر في المصادر أن عليًا رضي الله عنه جمع أهل العلم، وكان شريح ممن بقي يسأله ويستفهم منه، فنُقل عنه قوله:
«اذهب، فأنت أقضى العرب».
وقد أورد الذهبي هذا الخبر في سير أعلام النبلاء، كما ورد بأسانيد في مصادر أخرى.
وهذه الشهادة تكشف عن أن مكانة شريح لم تكن قائمة على طول مدة بقائه في المنصب فقط، وإنما على ملكة قضائية، وعلمية حقيقية.
سادسًا: من نماذج قضائه:
1 ) قضية الفرس مع عمر:
تذكر الرواية أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان قد أخذ فرسًا، ثم وقع خلاف حوله، فاختار الخصم شريحًا للحكم.
فنظر شريح في المسألة، وحكم وفق الضمان المترتب على ما ثبت أمامه، فأُعجب عمر بحكمه، وكان ذلك من أسباب توليته القضاء.
وهذه الرواية ، مع كونها من أخبار القضاء المروية ، تكشف عن جرأة القاضي في تطبيق الحكم حتى على من ولاه.
2 ) قضية المرأة، وزوجها:
وتروي المصادر أن امرأة خاصمت زوجها أمام علي رضي الله عنه، وكانت المسألة متعلقة بالطلاق، والحيض، فأحال عليٌّ القضية إلى شريح، فأصدر شريح حكمه بناءً على تحقق البيِّنة والمعرفة بالحال، فقال له علي: «قالون» أي: أحسنت.
وهذه الرواية تعكس ثقة السلطة العلمية والقضائية في اجتهاد شريح.
سابعًا: شريح ،والتعامل مع الخصوم:
كان شريح يدرك أن أخطر ما يهدد القضاء هو العاطفة غير المنضبطة.
وتروي المصادر أنه إذا جاءت امرأة تبكي أمامه لم يكن يبني الحكم على بكائها، بل كان ينظر في الأدلة؛ حتى نُقل عنه في إحدى القضايا قوله للشعبي عندما تأثر ببكاء امرأة:
«إن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاءً يبكون».
والمقصود أن البكاء ليس دليلًا بذاته على صدق الدعوى.
وهذا درس بالغ الأهمية في القضاء والحياة معًا:
ليس كل متألمٍ صاحب حق، وليس كل صاحب حق قادرًا على البكاء.
ثامنًا: الصعوبات التي واجهها شريح
لم يكن طريق شريح سهلًا.
فقد عمل في بيئة سياسية، واجتماعية مضطربة، وعاصر أحداثًا كبرى في تاريخ الدولة الإسلامية، ومع ذلك استمر في أداء مهمته.
وتذكر المصادر أنه عُزل في فترة من الفتن، ثم أعيد إلى القضاء، وأنه ظل في العمل حتى زمن الحجاج، ثم استعفى من القضاء.
وهنا تظهر إحدى أعظم صفاته:
كان يعرف متى يقبل المسؤولية، ومتى ينسحب منها.
فالمنصب عنده لم يكن غاية، وإنما وسيلة لإقامة العدل.
تاسعًا: منهج شريح في بناء الحكم:
يمكن تلخيص مدرسة شريح القضائية في ست قواعد:
1) الدليل قبل الانطباع.
2) العدل قبل القرابة.
3)القانون الشرعي قبل المكانة الاجتماعية.
4)الاستماع إلى الطرفين قبل إصدار الحكم.
5) عدم التأثر بالبكاء أو الغضب أو النفوذ.
6)استقلال القاضي في إصدار حكمه.
وقد نقلت المصادر عن عمر توجيهًا لشريح عند توليته القضاء، خلاصته: أن يبدأ بكتاب الله، ثم سنة رسول الله ﷺ، ثم بما قضى به أئمة الهدى، فإن لم يجد اجتهد رأيه، أو شاور.
وهذا يمثل منهجًا متدرجًا في الاستدلال القضائي.
عاشرًا: لماذا أصبح شريح رمزًا للاستقلال والإنصاف؟:
لأن تجربته جمعت بين ثلاثة أمور نادرًا ما تجتمع:
١)العلم .
٢)الشجاعة .
٣) الاستقلال.
فالعلم وحده لا يكفي إذا خاف صاحبه.
والشجاعة وحدها لا تكفي إذا غاب العلم.
والاستقلال وحده لا يكفي إذا غابت العدالة.
أما شريح فجمع بينها، ولذلك أصبح اسمه من أشهر الأسماء في تاريخ القضاء الإسلامي.
وقد وصفه الشعبي بأنه أعلم القوم بالقضاء، كما نقلت كتب التراجم ثناء عدد من العلماء على فقهه، وقضائه.
الحادي عشر: دروس معاصرة من مدرسة شريح:
من أهم ما يمكن أن نستخلصه من سيرته:
١) لا عدالة بلا استقلال:
فالقاضي الذي يخاف صاحب السلطة لا يستطيع إقامة العدل كاملًا.
٢) الدليل فوق العاطفة:.
المظاهر المؤثرة لا ينبغي أن تحل محل البرهان.
٣) مكانة الإنسان لا تسقط حق خصمه:
الحاكم والمحكوم أمام ميزان القضاء سواء من حيث لزوم الدليل والحجة.
٤) المنصب أمانة وليس امتيازًا:
٥)طول التجربة لا يغني عن التجدد العلمي.
٦)القاضي يحتاج إلى شخصية قوية وضمير حي، لا إلى المعرفة النظرية وحدها.
٧) أعظم ما يتركه القاضي بعد موته ليس عدد القضايا التي حكم فيها، بل الثقة التي زرعها في نفوس الناس بأن العدل ممكن.
الخاتمة: شريح... حين يصبح العدل سيرة إنسان:
لم يكن شريح القاضي مجرد اسم في صفحات التاريخ، بل كان نموذجًا مبكرًا لفكرة استقلال القضاء ،وهيبة القانون أمام النفوذ.
عاش طويلًا، وقضى بين الناس عقودًا، وتعاقبت عليه الدول، والولاة، لكن الذي بقي من سيرته ليس أسماء الحكام الذين عاصرهم، وإنما اسمه هو.
وهكذا يعلمنا التاريخ أن الحكومات تتغير، والولاة يرحلون، والمناصب تنتهي، لكن العدل إذا ارتبط برجل صادق يتحول إلى مدرسة تتوارثها الأجيال.
ولهذا استحق شريح أن يكون فاتحة هذه السلسلة:
«قُضَاةُ العَدْلِ: أَعْلَامٌ غَيَّرُوا وَجْهَ الأُمَّةِ».
فالقضاء العادل لا يحفظ حقوق الأفراد فقط، بل يحفظ ثقة المجتمع في الحق، ويمنع تحول القوة إلى ظلم، ويجعل القانون فوق الأهواء.
المراجع والمصادر:
١)الذهبي، شمس الدين، سير أعلام النبلاء، ترجمة شريح القاضي،.
٢)المزي، جمال الدين، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ترجمة شريح بن الحارث الكندي، ج12.
٣)ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، ترجمة شريح بن الحارث القاضي.
٤)ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، أخبار شريح وقضائه.
٥)البيهقي، السنن الكبرى، كتاب آداب القاضي، باب إنصاف الخصمين والاستماع إلى حجتهما؛ وفيه رواية قصة خصومة علي رضي الله عنه في الدرع.
الافتاء
٦)ابن سعد، الطبقات الكبرى، ترجمة شريح وأخبار قضاة التابعين.
٦)القرآن الكريم: النساء: 58، والنحل: 90، وص: 26.
٧)صحيح البخاري وصحيح مسلم، حديث أم سلمة رضي الله عنها في القضاء بين الخصوم.
التعليقات الأخيرة