هل يستطيع المثقف أن يقول إن السلطة أصابت بالحرية نفسها التي يقول بها إنها أخطأت؟
يبدو السؤال بسيطاً، لكنه يمسّ منطقة قلقة في وعي مثقف اعتاد أن يستمد شيئاً من مكانته من المسافة التي تفصله عن الحكم، حتى صار الاقتراب شبهة والاعتراف بمنجزٍ مجازفة تُستدعى فيه تهمة الخيانة قبل أن يُسأل عن طبيعة العمل وأثره.
في العراق، يمكن فهم هذا الحذر في ضوء ذاكرة ثقيلة، فقد عرفت الثقافة سلطة تريد من القصيدة أن تصفق، ومن الرواية أن تحرس صورتها، ومن الكاتب أن يمنح الحرب معنى يليق بالحاكم.
ثم جاءت تجربة الاحتلال والعنف والانقسام وخيبات بناء المؤسسات لتضيف أسباباً جديدة للريبة، غير أن الذاكرة عندما تستأثر بالحكم على الحاضر قد تحجب ما يتغير فيه، فيظل المثقف يرى الوجوه الجديدة من نافذة قديمة ويقرأ كل مبادرة باعتبارها محاولة أخرى لاستدراجه.
هنا تصبح المعارضة مأزقاً عندما تتحول إلى شرط لإثبات "الثقافة" إذ يبدأ الاعتراض قبل المعرفة ويُختصر فحص التجربة في السؤال عمن يقف وراءها.
فإذا كانت حكومية، انصرف الاهتمام إلى ما يطعن فيها، وإذا شارك فيها مثقف، طُلب منه أن يبرهن على استقلاله بمهاجمتها.
وهكذا تتكون رقابة داخل الوسط الثقافي لتجعل الإنصاف مكلفاً وتمنح الرفض حصانة لا تمنحها للتفكير.
ويزيد الالتباس عندما تختلط الدولة بالحكومة والسلطة والحزب، فتُعامل خدمة مؤسسة عامة كما لو كانت خدمة لشخص، ويصبح دعم مسرح أو مكتبة أو مشروع لحفظ الذاكرة ولاءً سياسياً، مع أن هذه الأعمال تتصل بحق المجتمع في الثقافة وتستحق أن تُفحص بقيمتها ونتائجها.
نعم، من حق المثقف أن يسأل عن المال والإدارة والحرية وأن يعترض على توظيفها للدعاية، لكن حقه في المساءلة لا يلزمه بإهدار ما تحقق فيها.
وقد يظهر هذا الأسر في الصمت أيضاً؛ يرى المثقف تجربة جيدة ثم يتردد في الحديث عنها "خشية" أن يفقد صورته بين زملائه، فتجده يشارك في مؤتمر أو يشاهد عرضاً أو يزور معرضاً، ويخرج بملاحظات تستحق النقاش، لكنه ينقل العثرات وحدها تاركاً ما يستحق النمو بلا شهادة ولا اقتراح، عندها يخسر المجتمع معرفةً كانت يمكن أن تحسن العمل، وتخسر التجربة فرصة أن تمتد.
وتتسع كلفة هذا الموقف خارج العراق، أو في وسائل التواصل التي ألغت الجغرافية إذ تستطيع كلمة الكاتب أو الفنان أن تفتح باباً لا تفتحه المراسلات الرسمية، فالنشاط الثقافي بتنوعه الذي يمكن أن يكون عنصراً لردم فجوات الصراع المجتمعي قد يكون هو ذاته المعرقل لمسارات الدبلوماسية الثقافية التي تعزز ثقة الآخرين في معرفة البلد وحاضره الإبداعي وتجارب أبنائه.
قد يكون ذلك أيجابياً مع احتفاظ المثقف بحقه في كشف أزماته، أما إذا حمل معه صورة الخراب وحدها، فقد أبقى العراق في زمن يتطلع العراقيون إلى تجاوزه.
وللمؤسسات مسؤولياتها في بناء هذه الثقة، بأن تتيح المعلومات وتحترم النقد وتفتح المشاركة للكفاءة وتقدم عملاً يمكن الدفاع عن قيمته، فالحديث الإيجابي يفقد صدقيته عندما يُطلب مقابل دعوة أو منفعة، ويكتسب معناه عندما يصدر عن معرفة حرة بتجربة تستحقه.
استقلال المثقف يُمتحن في قدرته على مراجعة موقفه عندما تتغير الوقائع وعلى تشجيع الصواب دون أن يمنح صاحبه إعفاءً من المحاسبة.
ومن يملك شجاعة الاعتراض يحتاج أيضاً إلى شجاعة "الإنصاف" فقد يكون الاعتراف بعمل جيد أصعب من تكرار إدانة مألوفة.
ولعل المثقف يحتاج بين حين وآخر إلى أن يسأل نفسه: هل أعارض لأنني فهمت أم أبحث عما أعارضه كي أبقى مثقفاً في عيون الآخرين.
كتب دكتور منتصر صباح الحسناوي : :المثقف أسير معارضه..
التعليقات الأخيرة