news-details
مقالات

الإعلامي الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : ثورة طلاب فرنسا.. لماذا يحتج الطالب الفرنسي على الفصل المزدحم ويصمت الطالب المصري؟

ما يحدث الآن في فرنسا ليس مجرد احتجاج عابر لطلاب غاضبين، ولا مجرد تجمعات أمام أبواب المدارس، وإنما مشهد يستحق التوقف أمامه طويلًا، لأنه يطرح سؤالًا يتجاوز فرنسا نفسها إلى مجتمعات أخرى، وفي مقدمتها مصر:

هل أصبح الطالب المصري أكثر قدرة على تحمل المشكلات التعليمية، أم أنه فقد القدرة على الاعتراض والمطالبة بحقه؟

خلال الأيام الأخيرة، خرج آلاف الطلاب الفرنسيين إلى الشوارع احتجاجًا على أوضاع المدارس، ونقص المدرسين، وتكدس الفصول، وسوء حالة بعض المنشآت التعليمية، وطول اليوم الدراسي، وما يرونه تراجعًا في مستوى الخدمات التعليمية.

وبحسب تقارير صحفية فرنسية، امتدت الاحتجاجات إلى أكثر من ألف مدرسة في أنحاء البلاد، فيما أغلقت مئات المدارس أو تعطلت الدراسة بها، وانضم بعض المعلمين والنقابات إلى الاحتجاجات.

اللافت هنا ليس فقط حجم الاحتجاجات، وإنما طبيعة المطالب.

الطالب الفرنسي يقول ببساطة: نريد مدرسة أفضل، فصلًا أقل ازدحامًا، مدرسين متوافرين، ومبنى صالحًا للتعليم.

أي أن الطالب ينظر إلى التعليم باعتباره حقًا وليس مجرد خدمة تقدمها الدولة ثم عليه أن يقبلها كيفما كانت.

وهنا تبدأ المقارنة الصعبة مع مصر

في مصر، يعرف الجميع أن هناك مدارس تعاني من كثافات مرتفعة داخل الفصول، وأن بعض الطلاب قد يجدون أنفسهم في فصول مزدحمة إلى درجة تؤثر بالتأكيد في قدرة المدرس على الشرح وقدرة الطالب على التركيز والاستيعاب.

لكن السؤال:

أين الاحتجاج الطلابي؟

أين صوت الطالب الذي يقول: أريد أن أتعلم في فصل مناسب؟

أين الطالب الذي يسأل: لماذا أجلس وسط عشرات الطلاب في مساحة محدودة بينما يفترض أن تكون العملية التعليمية قائمة على التفاعل والفهم والمناقشة؟

ولماذا أصبح تكدس الفصول عند قطاعات من المجتمع المصري شيئًا يشبه "الأمر الواقع" الذي يجب التعايش معه؟

المشكلة ليست في أن الطلاب المصريين أقل وعيًا من الطلاب الفرنسيين، ولا أن الفرنسي أكثر شجاعة بطبيعته.

المسألة أعقد من ذلك.

إنها تتعلق بثقافة المجتمع تجاه الحق في السؤال والاعتراض والمطالبة بتحسين الخدمة العامة.

فالطالب الذي يتعلم منذ صغره أن السؤال حق، وأن الاعتراض السلمي وسيلة مشروعة، وأن المسؤولية العامة تعني أن يسأل المواطن مؤسسات الدولة عن مستوى الخدمات التي يحصل عليها، سيكبر وهو أكثر قدرة على المشاركة في صناعة المستقبل.

أما الطالب الذي يتعلم أن "هذه هي الظروف"، وأن عليه أن يتحمل، وأن الشكوى لن تغير شيئًا، فقد يتحول تدريجيًا إلى مواطن يتعايش مع المشكلة بدلًا من أن يحاول تغييرها.

ولكن.. هل النموذج الفرنسي مثالي؟

بالطبع لا.

ولا ينبغي أن نحتفل بالمشهد الفرنسي كله.

فالاحتجاج حق، لكن العنف ليس حقًا.

وقد خرجت بعض الاحتجاجات الفرنسية عن إطار المطالب التعليمية، وشهدت اشتباكات وإحراق حاويات وإصابات واعتقالات، وهو ما دفع السلطات الفرنسية إلى التحذير من تحول بعض التحركات إلى أعمال عنف واضطرابات في الشوارع.

وهنا يجب الفصل بين شيئين:

حق الطالب في الاعتراض.. ورفض تحويل الاعتراض إلى فوضى.

فالاحتجاج السلمي يمكن أن يكون وسيلة ضغط ديمقراطية محترمة، أما الاعتداء على الشرطة أو المدرسين أو الممتلكات العامة فلا يمكن اعتباره نموذجًا يحتذى به.

لماذا يستطيع الطالب الفرنسي أن يقول "لا"؟

لأن هناك في الثقافة السياسية والاجتماعية الفرنسية تاريخًا طويلًا من الاحتجاجات الطلابية والنقابية، وأصبح الشارع في أحيان كثيرة وسيلة لإيصال الرسالة إلى الحكومة.

والأهم أن الطالب يشعر أن صوته يمكن أن يصل إلى وسائل الإعلام، والنقابات، والأحزاب، والبرلمان، والحكومة.

وهذا الشعور بالقدرة على التأثير مهم جدًا في بناء شخصية المواطن.

أما في مصر، فالمطلوب ليس أن يتحول الطلاب إلى متظاهرين دائمين، ولا أن تتحول المدارس إلى ساحات للصدام.

المطلوب ببساطة أن نربي الطالب على المواطنة الإيجابية.

أن يعرف أن من حقه أن يسأل.

أن يعرف أن من حقه أن يطالب بمدرسة أفضل.

أن يعرف أن من حقه أن يعترض على مشكلة حقيقية، ولكن بطريقة سلمية ومسؤولة.

الفصل المزدحم ليس مجرد رقم

قد يرى البعض أن الحديث عن كثافة الفصول مجرد مشكلة إدارية.

لكن الأمر أكبر من ذلك.

عندما يجلس عدد كبير من الطلاب داخل فصل محدود المساحة، فإن القضية لا تتعلق بالراحة فقط.

إنها تتعلق بجودة التعليم.

فالمدرس يحتاج إلى وقت ومساحة حتى يتابع الطالب، والطالب يحتاج إلى فرصة ليسأل ويشارك، والمدرسة تحتاج إلى بيئة تساعد على التعلم، وليس مجرد مكان يجتمع فيه الطلاب لساعات ثم ينصرفون.

التعليم ليس عملية حشو معلومات داخل عقول الطلاب.

التعليم صناعة للإنسان.

ولهذا فإن السؤال عن عدد الطلاب في الفصل، وعدد المدرسين، وحالة المدرسة، والوسائل التعليمية، ليس ترفًا ولا رفاهية.

إنه سؤال عن مستقبل الدولة نفسها.

المفارقة المؤلمة

المفارقة أن الطالب المصري قد يجلس في فصل مزدحم، ويذهب إلى المدرسة، ثم إلى الدروس أو مجموعات التقوية، ثم يعود إلى المنزل، وفي النهاية يُطلب منه أن ينافس على نفس المستقبل الذي ينافس عليه طالب يعيش في نظام تعليمي أكثر قدرة على توفير بعض مقومات العملية التعليمية.

ومع ذلك، يظل الطالب المصري غالبًا صامتًا.

ليس لأنه لا يشعر.

وليس لأنه لا يعاني.

ولكن ربما لأنه اعتاد.

وهذه هي المشكلة الأخطر: أن يعتاد الإنسان على الخطأ حتى يراه طبيعيًا.

نحن لا نريد "ثورة طلابية" في مصر

مصر لا تحتاج إلى نسخ التجربة الفرنسية بكل تفاصيلها.

ولا تحتاج إلى أن يخرج الطلاب إلى الشوارع ويحرقوا الحاويات أو يدخلوا في مواجهات مع الشرطة.

مصر تحتاج إلى شيء أكثر عقلانية وأعمق تأثيرًا:

ثورة في ثقافة التعليم.

ثورة تبدأ من احترام الطالب.

ومن احترام المعلم.

ومن الاعتراف بأن كثافة الفصول مشكلة حقيقية تحتاج إلى حلول حقيقية.

ومن بناء مدارس جديدة عندما تكون هناك حاجة إليها.

ومن توفير العدد الكافي من المدرسين.

ومن تطوير المناهج.

ومن الاستماع إلى الطالب باعتباره طرفًا أساسيًا في العملية التعليمية وليس مجرد متلقٍ للأوامر.

والسؤال الذي يجب أن نطرحه

حين نرى آلاف الطلاب الفرنسيين يخرجون مطالبين بمدارس أفضل، يجب ألا يكون السؤال:

لماذا يتظاهر هؤلاء الطلاب؟

بل ربما يكون السؤال الأكثر أهمية:

لماذا لا نسمع في مصر صوتًا طلابيًا واضحًا يطالب بتحسين التعليم، رغم وجود مشكلات يعرفها الجميع؟

هل نحن أمام مجتمع أكثر قدرة على التحمل؟

أم أمام أجيال تعلمت أن تتعايش مع المشكلة بدلًا من أن تسأل عن أسبابها؟

الفرق بين المجتمعين ليس بالضرورة في عدد الطلاب داخل الفصل فقط.

الفرق الحقيقي قد يكون في علاقة المواطن بالدولة، وشعوره بحقه في السؤال، وقدرته على التعبير عن مطالبه، وثقته بأن صوته يمكن أن يصنع فرقًا.

وفي النهاية، لا نريد من الطالب المصري أن يقلد الطالب الفرنسي في الفوضى أو العنف.

لكننا نريده أن يقلده في شيء واحد فقط:

ألا يعتبر حقه في تعليم جيد منّة من أحد.

فالتعليم الجيد ليس رفاهية.

والمدرسة الجيدة ليست ترفًا.

والفصل المناسب ليس حلمًا.

إنها حقوق أساسية في بناء الإنسان.. وبناء الإنسان هو أول طريق بناء الدولة.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا