news-details
مقالات

من أروقة المجتمع المدني إلى معترك الجيوسياسة: كيف تشكل «أجندة إفريقيا 2063» مخرجاً من أزمات القرن الأفريقي؟

 


بقلم: أشرف عبد الحميد

في وقت تتصاعد فيه نذر المواجهة بين القاهرة وأديس أبابا وأسمرة، وتُغلق السفارات ويُطرد الدبلوماسيون، اختارت القاهرة أن ترد بطريقة مختلفة: مائدة مستديرة رفيعة المستوى تحت عنوان «أجندة أفريقيا 2063: التكامل الاقتصادي، والأمن المائي المستدام، والعدالة التعويضية» نظمها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للاتحاد الأفريقي ECOSOCC بالتعاون مع مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان ومؤسسة شركاء من أجل الشفافية بصفتهما عضوين في الجمعية العمومية الرابعة للمجلس. 

المؤتمر الذي عقد بفندق رمسيس هيلتون بالقاهرة يوم 3 أكتوبر 2026، لم يكن مؤتمراً أكاديمياً، بل كان محاولة لتقديم روشتة أفريقية-أفريقية لوقف انهيار القرن الأفريقي.

أولاً: ماذا قال المتحدثون؟.. ثلاث رسائل حاسمة

1- أيمن عقيل: أفريقيا عانت من نهب ثرواتها والديون تخنقها

قال أيمن عقيل رئيس مؤسسة ماعت ونائب رئيس ECOSOCC لشمال أفريقيا، إن القارة الأفريقية عانت على مدار تاريخها من الاستعمار ونهب ثرواتها، وأن آثار ما ارتكبه المستعمر لا تزال شاهدة رغم الاستقلال. 

وأضاف أن عدداً من القادة الأفارقة مثل نيلسون مانديلا وجمال عبد الناصر وتوماس سانكارا حلموا بأفريقيا خالية من الظلم والسيطرة الأجنبية، لكن الحلم لم يكتمل. 

وفي الملف الاقتصادي، طالب عقيل صراحة بضرورة تخفيف أعباء الديون عن القارة الأفريقية، مشيراً إلى أن أفريقيا تضم 63 نهراً بينما يعاني 400 مليون مواطن من الفقر المائي، ومؤكداً أن تحقيق أهداف أجندة 2063 يتطلب تكامل الجهود وتطوير البنية التحتية وتبسيط الإجراءات. 

2- الدكتور أحمد إيهاب جمال الدين: النيل شريان الحياة وليس ملفاً فنياً

شارك الدكتور أحمد إيهاب جمال الدين رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان كمتحدث رئيسي في الافتتاح، وأطلق الجملة الأهم في المؤتمر: 

"نهر النيل هو شريان الحياة لمصر، والأمن المائي ليس قضية تنموية فقط، بل يمس حقوق الإنسان الأساسية والأمن القومي وحقوق الأجيال القادمة". 

وشدد أن أجندة 2063 هي في جوهرها أجندة للإنسان الأفريقي، ونجاحها لا يُقاس بالخطط بل بما تحدثه من تغيير حقيقي في حياة المواطن في العمل والمياه والغذاء والكرامة، ودعا للانتقال من الطموحات إلى التنفيذ والنتائج والمساءلة. 

وفي رسالة مباشرة لإثيوبيا قال: "إدارة الموارد المائية المشتركة يجب أن تقوم على التعاون والتشاور وتبادل المعلومات واحترام القانون الدولي ومبدأ عدم التسبب في ضرر، وليس على الإجراءات الأحادية أو فرض الأمر الواقع"، مؤكداً أن حق دولة في التنمية وحق شعب آخر في المياه ليسا حقين متعارضين. 

وفي ملف العدالة التعويضية قال إن استرداد التراث الثقافي الأفريقي المنهوب يرتبط بحق الشعوب في هويتها وذاكرتها الجماعية. 

3- حضور أفريقي وازن يكشف حجم الأزمة

شارك في الجلسات لويس سيسوكو رئيس ECOSOCC، ومحمد هارون نائب الرئيس لإقليم وسط أفريقيا، والسفيرة نميرة نجم مديرة المرصد الأفريقي للهجرة، وأمجد فتحي من هيئة الاستعلامات. 

وناقشت الجلسات المتخصصة الأمن المائي بمشاركة الدكتورة نهى أبو بكر من الجامعة الأمريكية، والدكتور عباس شراقي أستاذ الجيولوجيا بجامعة القاهرة، والدكتور محمد عبد العاطي وزير الري الأسبق، وجلسة التجارة الحرة الأفريقية AfCFTA بمشاركة السفير صلاح حماد من مفوضية الاتحاد الأفريقي، وجلسة العدالة التعويضية بمشاركة النائبة أميرة صابر والدكتور شعبان عبد الجواد من إدارة استرداد الآثار. 

ثانياً: كيف تطبق مخرجات ماعت على أزمة القرن الأفريقي؟

. مخرجات ماعت الثلاثة هي بالضبط علاج أمراض القرن الأفريقي:

أ- التكامل الاقتصادي كبديل للحرب: بدلاً من حرب على منفذ بحري في أرض الصومال، لماذا لا تطبق منطقة التجارة الحرة القارية AfCFTA؟ لو تم تفعيلها، يمكن لإثيوبيا استخدام موانئ جيبوتي وإريتريا والصومال برسوم تفضيلية دون الحاجة لاحتلال أرض الصومال. الحرب الاقتصادية خاسرة للجميع.

ب- الأمن المائي والذكاء المائي: طرح المؤتمر فكرة "الذكاء المائي" وإدارة الأحواض المشتركة تعاونياً. هذا هو عكس ما تفعله إثيوبيا تماماً في سد النهضة (النهج الأحادي وفرض الأمر الواقع). الحل الذي اقترحه رئيس القومي لحقوق الإنسان هو الالتزام بالقانون الدولي وتبادل المعلومات، وهو ما ترفضه أديس أبابا.

ج- العدالة التعويضية ووقف التدخلات الخارجية: إثيوبيا نفسها تعاني من نهب تراثها، لكنها في نفس الوقت تسمح للشركات الإسرائيلية والإماراتية بنهب مياهها وزراعة أراضيها. العدالة التعويضية التي طالب بها أيمن عقيل يجب أن تشمل العدالة المائية.

ثالثاً: واقع القرن الأفريقي.. الانسداد الدبلوماسي

ما نراه اليوم من طرد السفراء بين القاهرة وأديس أبابا وإغلاق السفارة الإثيوبية في أسمرة، هو فشل لكل ما نادت به أجندة 2063:

النهج الأحادي: إثيوبيا تطبق في المياه (سد النهضة) وفي البحر (مذكرة أرض الصومال) نفس السياسة: فرض الأمر الواقع.

انهيار تحالفات الأمس: آبي أحمد وأسياس أفورقي كانا حليفين في 2018 وحصلا على جائزة نوبل، اليوم هما على حافة الحرب.

ضعف الوساطة الأفريقية: الاتحاد الأفريقي يكتفي بدعوات "ضبط النفس" الروتينية، بينما تستغل إثيوبيا الوقت لاستكمال الملء الخامس للسد.

وهذا يفتح الباب أمام سيناريو الحرب بالوكالة الذي حذرنا منه: دعم الحركات المسلحة في التيغراي والأورومو، وشرارات حدودية غير محسوبة.

رابعاً: حائط الصد الداخلي.. من السلم المجتمعي للأمن الفكري

وهنا تربط بذكاء بين أجندة 2063 ومبادراتك الوطنية. لا يمكن أن نواجه تهديدات سد النهضة وباب المندب بجبهة داخلية مفككة.

لذلك تقترح "المبادرة الوطنية للأمن الفكري والتمكين الميداني للشباب" التي تشمل:

مراكز السلم المجتمعي في المحافظات

التربية الرقمية لتفكيك الشائعات حول أزمة المياه

التمكين الاقتصادي للشباب عبر المشروعات الصغيرة

الخلاصة 

أكدت مائدة ماعت أن أجندة أفريقيا 2063 لن تتحقق بالشعارات، بل عندما يشعر المواطن في أسوان كما في أديس أبابا أن التنمية تعني كوب ماء نظيف وفرصة عمل وكرامة. وما لم تتوقف إثيوبيا عن سياسة "أنا أبني وأنتم اشتكوا" في النيل، و"أنا أتوسع وأنتم احتجوا" في البحر الأحمر، فإن القرن الأفريقي سيظل مسرحاً للنزاعات بدلاً من أن يكون بوابة للتنمية. الحل ليس في طرد السفراء، بل في العودة لطاولة القانون الدولي، وهذا ما قالته القاهرة اليوم بصوت المجتمع المدني الأفريقي كله.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا