news-details
مقالات

الاعلامي الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : ذكرى حرب أكتوبر المجيدة 1973.. أسرى اليهود بالكستور وتدمير خط برليف الحصين

في السادس من أكتوبر من كل عام، تستعيد مصر واحدة من أعظم صفحات تاريخها العسكري الحديث، يوم تحولت الإرادة المصرية إلى فعل، وتحول العبور من مجرد حلم إلى واقع، وسقطت أمام المقاتل المصري أسطورة الجيش الذي لا يُقهر.

إنها حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، الحرب التي أعادت للإنسان المصري ثقته في نفسه، وللأمة العربية جزءًا من كرامتها، وأثبتت للعالم أن الجيوش مهما امتلكت من تحصينات وسلاح لا تستطيع أن تهزم إرادة شعب مصمم على استرداد أرضه وحقوقه.

في ظهيرة السادس من أكتوبر، الموافق العاشر من رمضان، بدأت القوات المسلحة المصرية واحدة من أكثر العمليات العسكرية جرأة في التاريخ الحديث. عبر آلاف الجنود قناة السويس تحت غطاء نيران المدفعية والطيران، وبدأت عملية اقتحام خط بارليف، ذلك الخط الدفاعي الذي روّجت إسرائيل لسنوات بأنه حصن لا يمكن اختراقه.

لكن ما بدا للآخرين حصنًا منيعًا، كان أمام الجندي المصري عقبة قابلة للتحطيم.

وبالاستعانة بالتخطيط العسكري الدقيق، والعبقرية الهندسية، واستخدام مضخات المياه لفتح الثغرات في الساتر الترابي، نجح المقاتلون المصريون في فتح ممرات عبر الساتر واقتحام التحصينات، وبدأت المواقع الإسرائيلية على الضفة الشرقية للقناة في السقوط تباعًا.

من أسطورة خط بارليف إلى حقيقة الأسر

لم يكن انهيار خط بارليف مجرد انهيار لتحصينات ترابية وإسمنتية، وإنما كان انهيارًا لأسطورة عسكرية كاملة.

فقد كانت إسرائيل قد أنشأت سلسلة من المواقع والتحصينات على امتداد الضفة الشرقية لقناة السويس، وروّجت لفكرة أن اقتحامها يحتاج إلى قدرات عسكرية هائلة، وأنها تمثل حاجزًا يصعب على الجيش المصري تجاوزه.

لكن الساعات الأولى من الحرب أثبتت عكس ذلك.

تقدم الجنود المصريون، واقتحموا المواقع، ورفعوا العلم المصري على الضفة الشرقية، وبدأت صور الأسرى الإسرائيليين تتناقلها وسائل الإعلام باعتبارها إحدى العلامات الرمزية الكبرى على نجاح المفاجأة العسكرية المصرية.

ومن بين المشاهد التي بقيت عالقة في الذاكرة المصرية مشاهد الأسرى الإسرائيليين وهم يجلسون بالكستور، في صورة عكست حجم المفاجأة التي تعرض لها الجانب الإسرائيلي في الساعات الأولى للحرب.

ولم تكن تلك المشاهد مجرد صور عابرة، وإنما أصبحت جزءًا من الذاكرة الشعبية المصرية المرتبطة بعبور السادس من أكتوبر.

الجندي المصري.. بطل المعركة

وراء كل إنجاز عسكري في أكتوبر كان هناك جندي مصري يحمل سلاحه ويواجه الموت، ويعبر القناة وسط النيران، ويصعد الساتر الترابي، ويقتحم التحصينات.

لم يكن الجندي المصري يبحث عن بطولة شخصية، وإنما كان يعرف أنه يخوض معركة وطنية لاستعادة الأرض والكرامة.

ولهذا أصبحت حرب أكتوبر واحدة من أهم نماذج القتال التي تدرس في العديد من المؤسسات العسكرية حول العالم، لما شهدته من تخطيط، وخداع استراتيجي، وتنسيق بين الأسلحة المختلفة، وإدارة لمعركة العبور في ظروف شديدة التعقيد.

السادس من أكتوبر.. يوم استرداد الثقة

لقد كانت هزيمة يونيو 1967 جرحًا عميقًا في الوجدان المصري والعربي، لكن السنوات التالية شهدت إعادة بناء القوات المسلحة المصرية، وإعادة تنظيمها وتسليحها وتدريبها، وصولًا إلى اللحظة التي صدر فيها القرار بالعبور.

وفي السادس من أكتوبر 1973، تغيرت المعادلة.

لم يعد الحديث عن استحالة عبور قناة السويس، ولا عن استحالة اقتحام خط بارليف، وإنما أصبح الحديث عن بطولات الجنود المصريين الذين صنعوا من القناة طريقًا إلى سيناء.

ولذلك فإن ذكرى أكتوبر ليست مجرد ذكرى عسكرية نحتفل بها كل عام، وإنما هي درس دائم في معنى التخطيط والإرادة والصبر والاستعداد.

أكتوبر.. ذاكرة وطن

بعد أكثر من نصف قرن، ما زالت حرب أكتوبر حاضرة في وجدان المصريين.

نتذكر الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لتحرير الأرض، ونتذكر المصابين والمحاربين الذين حملوا آثار المعركة، ونتذكر كل جندي وقف على الضفة الشرقية للقناة وهو يؤمن بأن سيناء ستعود إلى الوطن.

إن أعظم ما تركته حرب أكتوبر للأجيال الجديدة ليس فقط صور العبور وتحطيم خط بارليف، وإنما قيمة الإرادة المصرية عندما تتحول إلى عمل منظم، وعندما يجتمع التخطيط مع العلم والتدريب والتضحية.

وفي ذكرى أكتوبر المجيدة، تبقى رسالة التاريخ واضحة:

لا توجد قوة عسكرية تستطيع أن تجعل الأرض المحتلة حقًا مشروعًا، ولا يوجد حصن مهما بلغت قوته يستطيع الصمود أمام إرادة شعب يملك حقه ويستعد لاسترداده.

رحم الله شهداء مصر الأبطال، وحفظ رجال القوات المسلحة المصرية، وحفظ مصر وشعبها وأرضها.

تحية إلى كل من شارك في صناعة نصر أكتوبر العظيم..

وتحية إلى الجندي المصري الذي عبر القناة، واقتحم خط بارليف، وكتب بدمائه واحدة من أعظم صفحات التاريخ المصري الحديث.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا