أكتوبر من ذاكرة المرأة حكاية النصر على أرض مصر
بقلم نيفين صلاح محمد جاد
حين يأتي الحديث عن حرب أكتوبر تتجه الذاكرة إلى الجبهة والجنود والعبور والنصر لكن خلف هذا المشهد كانت هناك حكايات أخرى لنساء عشن الحرب بطريقتهن الخاصة ممرضة تستقبل المصابين ومعلمة تحاول أن تمنح تلاميذها شعورا بالأمان وربة منزل تنتظر زوجا أو ابنا على الجبهة وتاجرة خضار تواجه السوق وتدبر قوت بيتها وسط ظروف اقتصادية لم تكن سهلة
في أحد الأسواق كانت نوال تبدأ يومها قبل أن تزدحم الشوارع ترتب أقفاص الطماطم والخيار والباذنجان أمام فرشتها وتضع الميزان في مكانه ثم تبدأ في استقبال الزبائن لم يكن السوق بعيدا عن أخبار الحرب فالأحاديث عن الجبهة كانت تتردد بين البائعين والمشترين وكل واحد منهم يحمل قصة أو قريبا ينتظر أخباره
تقترب منها إحدى السيدات وتسألها الطماطم بكام النهارده يا نوال فترد وهي تزن الكمية خديها بالسعر ده يا أختي ربنا يسهلها على الناس تتوقف السيدة للحظة ثم تقول إحنا مش عارفين بكرة فيه إيه تنظر نوال إلى الزحام حولها وتجيب بهدوء بكرة ربنا يجيبه بخيره المهم ولادنا يرجعوا بالسلامة
لحظة قصيرة داخل سوق مزدحم لكنها تختصر كثيرا من تفاصيل تلك الأيام فالحرب لم توقف حركة البيع والشراء ولم تمنع الناس من البحث عن احتياجات بيوتهم لكنها جعلت كل شيء يحمل معنى آخر حتى شراء الخضار أصبح مرتبطا بالقلق على الغائبين وبمحاولة تدبير البيت وسط ظروف صعبة
وفي المستشفى كانت ممرضة أخرى تعيش يوما مختلفا كانت تتحرك بين الغرف وتتابع المرضى والمصابين وفي إحدى اللحظات وصلت سيدة على وشك الولادة بينما كانت أصوات الأخبار القادمة من الراديو تتردد في المكان اقتربت منها الممرضة وحاولت أن تطمئنها وهي تقول متخافيش إحنا معاكي وإن شاء الله تقومى بالسلامة وبعد دقائق جاء صوت المولود ليكسر هدوء المكان وكأن الحياة اختارت أن تعلن عن نفسها وسط أيام الحرب
حملت الممرضة الطفل بين يديها ونظرت إلى أمه وقالت لها الحمد لله ربنا رزقك بولد كانت لحظة إنسانية بسيطة لكنها بقيت في ذاكرتها فقد كانت الحرب في الخارج تحمل أخبار القتال بينما في داخل المستشفى كانت هناك حياة جديدة تبدأ
وفي بيت آخر كانت أم تتابع الراديو وفي مدرسة كانت معلمة تحاول أن تبعد الخوف عن عيون تلاميذها وفي السوق كانت تاجرة تحاول توفير احتياجات أسرتها وفي كل مكان كانت المرأة تؤدي دورها دون أن تتوقف الحياة ودون أن تتوقف المسؤوليات
هذه التفاصيل اليومية ربما تبدو بسيطة أمام مشهد العبور والنصر لكنها تكشف جانبا آخر من الحرب جانبا عاشته المرأة المصرية في السوق والبيت والمدرسة والمستشفى حيث كان عليها أن تعمل وتربي وتنتظر وتدبر احتياجات أسرتها بينما كان قلبها معلقا بأخبار الجبهة
وعندما جاء النصر لم يكن الخبر بالنسبة لنوال مجرد عنوان في الراديو ولم يكن بالنسبة للممرضة مجرد خبر تسمعه في المستشفى كان يعني أن هناك أملا في عودة الغائب وأن الحياة التي استمرت رغم الحرب يمكن أن تعود إلى أيام أكثر هدوءا
هكذا بقي أكتوبر في ذاكرة المرأة المصرية ليس فقط بصور الجنود فوق الضفة الشرقية وإنما أيضا بصورة امرأة تقف خلف ميزان الخضار وأخرى تحمل مولودا جديدا وثالثة أمام فصلها ورابعة تنتظر زوجها في البيت وكل واحدة منهن تحمل حكاية صغيرة صنعت في مجموعها جزءا من حكاية مصر في أكتوبر
التعليقات الأخيرة