news-details
مقالات

مصطفي التوني يكتب أكتوبر 1973: ملحمة العبور من الانكسار إلى الانتصار

 


"لن ينسى التاريخ، ولن تسقط من ذاكرة العالم أجمع، أمجاد السادس من أكتوبر لعام 1973 (العاشر من رمضان). ورغم مرور ثلاثة وخمسين عامًا على هذا النصر العظيم، إلا أننا ما زلنا، طيلة هذه العقود، نستلهم من ضيائه العبر، ونستخلص من ملحمته أسمى الدروس المستفادة.

وتعود بي الذاكرة إلى أوائل التسعينات، حينما كنت تلميذاً في الصف الثالث الإعدادي، ومُكلفًا بإلقاء خطبة الاحتفال بهذا النصر المجيد؛ وقتها كتب لي معلم اللغة العربية الفاضل أبياتاً نابضة بالفخر، ما زلت أحفظها في سويداء قلبي حتى اليوم، حيث قال فيها:-

 رَمَـضَـانُ زَفَّ الـبُـشْـرَيَاتِ لِـسِـيـنَا ... مِـنْ بَـعْـدِ مَا زَعَـمَ الـعِـدَا أَنَّـا نَـسِـيـنَا

زَأَرَتْ أُسُـودُ الـنِّـيـلِ فَـوْقَ حُـصُـونِـهِمْ ... لَـمْ تُـبْـقِ حِـصْـنًا لِـلْـعَـدُوِّ حَـصِـيـنَا

وَامْـتَـدَّتِ الْأَمَـالُ فَـوْقَ مَـعَـابِـرٍ ... صُـنِـعَـتْ مِـنَ الـصَّـبْـرِ الْـحَـرِيرِ سِـيـنَا

فِي سِـتِّ سَـاعَـاتٍ تَـغَـيَّـرَ عَـالَـمٌ ... وَالْـمُـعْـجِـزَاتُ تَـحَـقَّـقَـتْ بِـسِـيـنَا. 

* من رحم النكسة تولد الإرادة
وكما نفخر بالنصر ونخلده، فإننا لا ننسى مرارة الهزيمة؛ إذ كانت هي الدافع الأكبر والمحرك الأول لتحقيق المعجزة.

 فلو رجعنا بالذاكرة إلى الخامس من يونيو لعام 1967 يوم النكسة الذي ظن فيه العدو واهمًا أنه انتزع من مصر كرامتها، وأخذ يروج لنفسه أسطورة "الجيش الذي لا يقهر"—لوجدنا أنه تناسى طبيعة هذا الوطن؛ فمصر التي سحقت الهكسوس، ودحرت التتار، وهزمت الصليبيين، لم تعرف يوماً معنى الاستسلام، ولن تحني قامتها أبداً.

*تضميد الجراح والتخطيط العبقري
انتفضت مصر تلملم جراحها، وتكفكف دموعها، مستعينة بالله أولاً، ثم بسواعد المخلصين من أبنائها. لقد وعت القيادة والشعب الدرس جيداً، وتحولت الهزيمة إلى إصرار صلب على انتزاع النصر. وعكف رجال القوات المسلحة على التخطيط العلمي والدراسة الدقيقة لثغرات العدو ونقاط ضعفه.

استمرت الاستعدادات والتدريبات على أعلى المستويات، و صيغت خطة الخداع الاستراتيجي بعبقرية فذة؛ ففي الوقت الذي كان فيه الجيش يتأهب لخوض ملحمة العبور، كان العدو يرى في هذه التحركات مجرد مناورات اعتيادية.

 لقد بدأت المعركة فعلياً قبل انطلاقها بأيام، حين نجحت أجهزة الدولة كافة في التعتيم على ساعة الصفر، حتى أكدت تقارير المخابرات العالمية حينها أن حشود مصر على الجبهة هي تحركات دفاعية فقط، مما رسخ لدى العدو شعوراً زائفاً بالأمان.

*ساعة الحسم والعبور العظيم
حتى جاءت اللحظة الحاسمة في تمام الساعة الثانية وخمس دقائق ظهراً من يوم السادس من أكتوبر (العاشر من رمضان). وانطلقت صيحة "الله أكبر" من حناجر الجنود البواسل لتكون مفتاح النصر وبوابة العبور. وتهاوى خط بارليف الحصين تحت أقدام المقاتل المصري، وعبرت قواتنا القناة لترفع علم مصر خفاقاً في سماء سيناء الحبيبة، وتحطم وإلى الأبد أسطورة الجيش الذي لا يقهر.

*مكانة دولية وفجر جديد
منذ تلك اللحظة، تغيرت نظرة العالم بأسره لمصر، واستعادت مكانتها الإقليمية والدولية الرائدة بعد أن تعرضت لابتزاز ونقد واسع عقب عام 1967. وعادت مصر لتتبوأ مقعد القيادة في عالمها العربي، وتفرض كلمتها وصوتها في صياغة السياسة الإقليمية.

ولم يكن هذا الانتصار مجرد إنجاز عسكري ميداني، بل كان تحولاً نفسياً عميقاً غيّر نظرة المصريين والعالم لأنفسهم ولقدراتهم، وأثبت أن الإرادة الجماعية والتلاحم الوطني قادران على قهر أصعب التحديات وصنع التاريخ.

*الدروس الحية في وجدان الأمة
واليوم، ورغم مرور ثلاثة وخمسين عاماً على هذا العبور المجيد، لا تزال الدروس والعبر حية تنبض في عروق الأمة. فالتاريخ يذكرنا دائماً بأن من عبر القناة وحطم المستحيل في ثلاثة وسبعين، قادر بروح أكتوبر ذاتها على عبور أي أزمات معاصرة، وبناء مستقبل مشرق تظل فيه راية مصر عالية عزيزة شامخة.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا