أوطان للسرقة وشعارات للذكرى: حين تحترف الطبقة السياسية تجارة الدم والجوع في العراق
بقلم/ عدنان صگر الخليفه
رئيس إتحاد القبائل العراقية
حين يفقد العقد الاجتماعي مقدساته، وتتحول الدولة من خيمة تحمي أبناءها إلى ما يشبه الشركة الاستثمارية الخاصة بالأحزاب المتنفذة، يصبح الشعب رهينة لمعادلة قاسية ومقلوبة قوامها: التضحية مطلوبة من المواطن بلا حدود، والمغانم محصورة بالطبقة الحاكمة بلا منافس. إن القراءة المتعمقة للبيانات التاريخية والراهنة الصادرة عن القبائل العراقية الأصيلة – وفي مقدمتها السادة آل بيت محمد، وقبائل السادة الأگصار، وعموم اتحاد القبائل العراقية – لا تقف عند حدود الاحتجاج على قرار اقتصادي طارئ، بل تخترق جدار الأزمة لتعري حقيقة بنيوية ساطعة مفادها أن المنظومة السياسية المتعاقبة منذ عام 2003 لم تكن يوماً تمثل العراق والعراقيين، بل مثلت مصالحها الضيقة، محترفةً استنزاف الدم والجوع عبر دورة شيطانية من الاستغلال المقنن.
على امتداد الحكومات المتعاقبة، كان الحل الدائم لأزمات الفشل الإداري يُستسهل دائماً من جيب المواطن البسيط حصرًا، وفق تسلسل زمني موثق يفضح تكرار ذات النهج القاسي؛ فقد دشنت حكومة العبادي مرحلة الاستهداف المباشر للدخل المعيشي عبر تقليص الرواتب ومحاربة معيشة البسيط تحت ذريعة التقشف والأزمات، لتتبعها حكومة الكاظمي صاعدة بالضغط عبر القفزة الأولى لرفع سعر صرف الدولار وتهشيم القدرة الشرائية للعملة الوطنية. ثم جاءت حكومة السوداني لتواجه تعقيدات السوق الموازي والتقلبات الحادة في أسعار الصرف، ليبقى المواطن يرزح تحت أعباء ارتفاع الأسعار وثقل المعيشة رغم الوعود بالمعالجة. وصولاً إلى حكومة السيد علي الزيدي، التي أُعطيت لها الشعارات والوعود بأنها جاءت لرفع اقتصاديات المواطن والحفاظ على مقدراته، لكنها مارست العكس تماماً؛ إذ جاءت القرارات الأخيرة برفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي لتشعل الأسواق بشكل غير مسبوق، ولتصل بالمواطن البسيط إلى عجز تام عن تأمين قوته اليومي، مؤكدةً استمرار ذات النهج التعسفي. لقد خالفت هذه الحكومات بأسرها أبسط قواعد الاقتصاد والقوانين الإلهية والاجتماعية التي تقضي بأن "من يشترك في التحمل بالشدة، يشارك في الغُنم عند الرخاء"، ففي أوقات الشح والركود يُجبر الكادح على تحمل قسوة العوز، وحين تتدفق الوفرات المالية الهائلة، تذهب الفوائض هدراً في تضخيم الامتيازات الحزبية والمحاصصة، ويبقى المواطن وحيداً في مواجهة خط الفقر.
ولم يقف هذا الاستنزاف عند حدود القوت والمعيشة، بل امتد ليطال أقدس المقدسات وأطهر الدماء؛ ففي أعتى المحن الأمنية، وحين هبّ أبناء العراق الأبرار – تلبية لنداء الواجب والفتوى المباركة – لدحر الإرهاب وحماية الأرض، قدموا أرواحهم رخيصة لتستمر الدولة وتبقى هذه الطبقة السياسية متربعة على كراسي السلطة. ولكن، ما إن وضعت الحرب أوزارها وتحققت الانتصارات بفضل تلك الدماء، حتى جرى استغلالها بأبشع صور الجحود، فتحول الشهداء الأبرار والمضحون إلى مجرد أرقام وشعارات براقة تُرفع حصرياً في مواسم المزايدات الانتخابية، وأُهملت عوائل الشهداء وتُرك الجرحى يعانون شظف العيش، بينما حصد القادة والمتنفذون ثمار تلك التضحيات مناصب ومغانم، ليكتشف المواطن أن دمه لم يكن سوى ورقة يانصيب رخيصة لديمومة نفوذهم.
وفي خضم هذه المأساة المستمرة، يبرز في الشارع العراقي تساؤل مشروع وعميق يفرض نفسه بقوة على المشهد: أين موقف المرجعيات الدينية في العراق، وما هو دورها الحقيقي في كل ما يجري؟ إن تطلع المواطن العراقي نحو المؤسسة الدينية والمدارس الفقهية الكبرى يأتي من منطلق إيمانه بأن الشريعة الإسلامية السمحاء وقيم العدالة الإلهية لم تكن يوماً لتسكت عن تجويع الشعوب واستباحة مقدراتها. ويرى الشارع العراقي أن على المؤسسة الدينية والقيادات الدينية أن يكون لها الموقف الواضح والحقيقي والجريء في تبيان الحكم الشرعي والموقف الصريح من تصرفات هذه الحكومات التي أمعنت في إفقار المواطن واستنزافه؛ فالصمت لم يعد مجدياً في ظل سلطة حزبية تتخذ من الدين غطاءً لشرعنة أخطائها بينما تنحر معيشة الشعب.
إن هذا التلاحم الممنهج بين تجارة الجوع في الاقتصاد واستغلال الدم في الأمن، يقدم الدليل الحاسم والقطعي على حقيقة لا تقبل الشك: أن الحكومات والبرلمانات التي مرت بعد عام 2003 لم توجد لخدمة الشعب العراقي، ولم تمثله يوماً. لقد أثبت الفعل السياسي العملي أن هذه المنظومة أدمنت صناعة الأزمات وإدارتها بما يخدم بقاءها، مستخدمةً أدوات القهر المعيشي وتغييب العدالة الاجتماعية كمنهجية دنيئة لتدجين الشارع العراقي وإشغاله بلقمة عيشه عن مطاردة سارق مقدراته.
ختاماً، يعلن صوت القبائل العراقية والوجدان الشعبي الحي بوضوح أن حبل الكذب قصير، وأن مرحلة الرهان على وعود زائفة وشعارات جوفاء قد انتهت بلا رجعة. إن العراق لا يمكن أن يُبنى بظل طبقة سياسية تقتات على أزمات شعبها وتتنكر لتضحياته، وإن الخروج من هذه الهاوية المفروضة يحتاج إلى صحوة ووعي وطني جامع يرفض هذا الاستبداد المقنن، ويعيد كتابة قواعد العقد الاجتماعي لصالح الإنسان العراقي وحده.. الإنسان الذي سيبقى كبيراً بتضحياته، وعصياً على الاستعباد مهما اشتدت سياط الجوع والتهميش.
9 تشرين الاول 2026
التعليقات الأخيرة