news-details
مقالات

الأبراج كما لم نقرأها من قبل

 


بقلم نيفين صلاح 

لم أكن يوما أكتب عن الأبراج لكن رموزها استوقفتني
من الكبش والأسد إلى الميزان وحامل الماء حكاية رموز قديمة تحولت إلى صور نرى فيها أنفسنا وتؤثر أحيانا في نظرتنا إلى الآخرين

فالحمل يظهر في صورة الكبش وهو رمز ارتبط بالقوة والجرأة والاندفاع والمبادرة والثور يحمل معنى القوة والثبات والصبر وربما العناد أيضا أما السرطان فيظهر في صورة السلطعون ذلك الكائن الذي يحمل درعه معه أينما ذهب ولذلك ارتبط بالحماية والدفاع عن النفس والتمسك بالبيت والأسرة

وفي الأسد نجد رمزا ارتبط منذ القدم بالقوة والهيبة والشجاعة والقيادة والثقة بالنفس بينما يحمل العقرب معنى الحذر والقوة الداخلية والسرية والقدرة على الدفاع عن النفس ويأتي الحوت بسمكتين تتحركان في اتجاهين متعاكسين ليحمل رمزية ترتبط بالخيال والحساسية والتعاطف وربما التناقض الداخلي

وهكذا نجد ستة أبراج ترتبط بحيوانات واضحة وهي الحمل والثور والسرطان والأسد والعقرب والحوت

أما الأبراج الأخرى فتحمل رموزا مختلفة فالجوزاء يظهر في صورة التوأم بما يحمله ذلك من معنى التعدد وتنوع الاهتمامات والتواصل والتكيف والعذراء تظهر في صورة امرأة ارتبطت رمزيا بالنقاء والنظام والاهتمام بالتفاصيل

ويأتي الميزان بوصفه رمزا للتوازن والعدل والبحث عن الانسجام بينما يظهر القوس في صورة رامي السهام الذي يوجه سهمه نحو هدف فيرتبط بالسعي والمغامرة والحرية وفي التقاليد القديمة ارتبط القوس بالقنطور وهو كائن يجمع بين الإنسان والحصان

أما الجدي فيظهر في صورة الماعز البحري وهو كائن أسطوري يجمع بين الماعز والذيل البحري بينما يظهر الدلو في صورة حامل الماء ويرتبط رمزيا بالعطاء والمعرفة والأفكار والجانب الإنساني

وبذلك تنقسم رموز الأبراج بين حيوانات واضحة ورموز بشرية وأدوات وكائنات أسطورية لكن ما يجمع بينها جميعا هو محاولة تحويل صفات ومعان مجردة إلى صور يمكن للإنسان أن يراها ويتذكرها

فالإنسان منذ القدم كان يبحث عن طريقة يفهم بها نفسه والعالم من حوله فالقوة يمكن أن تتحول إلى صورة أسد والثبات إلى ثور والتوازن إلى ميزان والحماية إلى سلطعون والسعي نحو الهدف إلى سهم

لكن هل تؤثر هذه الرموز بالفعل في الإنسان

من الناحية العلمية لا توجد أدلة تثبت أن البرج الذي يولد تحته الإنسان يحدد شخصيته أو يرسم مستقبله لكن الرمز نفسه قد يحمل تأثيرا نفسيا وثقافيا فالإنسان بطبيعته يبحث عن صورة يرى فيها شيئا من نفسه وعندما يقرأ أن الأسد رمز للقوة والقيادة قد يجد نفسه متعلقا بهذه الصفات وعندما يرى الحوت مرتبطا بالحساسية والخيال قد يشعر أن الرمز يعبر عنه

وقد لا يأتي التأثير من البرج نفسه بقدر ما يأتي من الفكرة التي يكونها الإنسان عن ذاته فالإنسان عندما يكرر أمام نفسه وصفا معينا قد يبدأ في ملاحظة الصفات التي تتفق معه أكثر من غيرها

والأمر لا يتوقف عند نظرتنا إلى أنفسنا بل يمتد أحيانا إلى نظرتنا إلى الآخرين فعندما نعرف أن شخصا ما من برج معين قد نضعه دون قصد داخل صورة مسبقة فنراه عنيدا لأنه من برج الثور أو قياديا لأنه من برج الأسد أو حساسا لأنه من برج الحوت وهنا يتحول الرمز من مجرد علامة إلى قالب ذهني قد يؤثر في أحكامنا رغم عدم وجود أساس علمي يثبت أن البرج هو الذي صنع هذه الصفات

وربما لهذا السبب بقيت رموز الأبراج حاضرة حتى اليوم فهي تمنح الإنسان لغة بسيطة للتعبير عن صفات معقدة وتجعل مفاهيم مثل القوة والحرية والحماية والتوازن والطموح صورا يسهل فهمها وتداولها

فالرمز لا يصنع الإنسان ولا يمكن أن يختزل شخصية كاملة في حيوان أو أداة أو مخلوق أسطوري لكنه قد يمنح الإنسان مرآة يرى فيها جانبا من ذاته أو فكرة عن الشخصية التي يتمنى أن يكون عليها

وهنا يصبح من المهم التمييز بين الإيمان بأن الأبراج تحدد مصير الإنسان وبين النظر إلى رموزها باعتبارها جزءا من التراث والثقافة الإنسانية فالأول لا تدعمه الأدلة العلمية أما الثاني فيكشف جانبا مثيرا من تاريخ الإنسان وطريقته في التعبير عن أفكاره ومخاوفه وطموحاته

وربما لهذا لم يعد السؤال بالنسبة لي ماذا يقول برجك عن مستقبلك وإنما ماذا يقول الرمز عن الطريقة التي ترى بها نفسك

فالكبش والثور والسلطعون والأسد والعقرب والسمكتان والتوأم والعذراء والميزان ورامي السهام والماعز البحري وحامل الماء ليست مجرد رموز قديمة بل صور اختارها الإنسان ليمنح المعاني شكلا وليجد في العالم من حوله ما يشبهه

وفي النهاية قد لا تخبرنا الأبراج بما سيحدث لنا غدا لكنها تكشف شيئا عن الإنسان نفسه فهو بطبيعته يبحث عن معنى ويمنح الأشياء أسماء وصورا ثم يعود ليرى نفسه فيها وربما لهذا السبب استوقفتني رموز الأبراج أكثر من توقعاتها لأنها في النهاية لا تحكي فقط قصة النجوم بل تحكي قصة الإنسان ومحاولته المستمرة لفهم نفسه

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا