التحولات البنيوية الكبيرة للصراع اليمني - السعودي، من صراع الحدود إلى صراع الوجود...!!
غيث العبيدي ـ كاتب عراقي مستقل.
▪️ المقدمة :
تتناول هذه الورقة التحول البنيوي في الحرب اليمنيةـ السعودية، من حرب حدود ونفوذ إلى حرب وجود النموذج الاقوى، وأن خطورتها، لا تكمن في مؤشراتها الكمية، بل في قدراتها على تفكيك ثلاث بديهيات إستراتيجية حكمت النظام الإقليمي في الجزيرة العربية لخمسة عقود مضت ”شراء الحماية بالمال والبقاء بالطاعة وحياد مكة”
وقد شهدت المنطقة العربية حروباً متعددة، مثل حرب الإبادة في غزة، والحروب في السودان وليبيا ولبنان والعراق، وآخرها الحرب الأيرانية ـ الأمريكية، وبالرغم من أن الحرب اليمنية - السعودية، تبدو للوهلة الأولى أقل دموية من غزة وأقل اتساعاً من أغلب هذه الحروب، إلا أنها لاتقل خطورة عن الحرب الأيرانية ـ الأمريكية، بل ولربما هي الأخطر من زاوية الأمن الإقليمي وبنية النظام العربي.
لذلك فشلت كل الهدن في تحويلها إلى سلام دائم، رغم أستنزافها للطرفين.
▪️ التحليل البنيوي لأبعادها الخطرة.
1️⃣ البعد الأول: كسر أحتكار الردع وسقوط ثوابت الأمن الخليجية.
قام النظام الأمني الخليجي منذ عام 1979 على ثابتة واحدة وهي أن المال يشتري حماية أمريكية تجعل عواصم الخليج آمنة.
فأنتجت الحرب اليمنية تحولاً بنيوياً يتمثل في كسر هذا الثابت فلأول مرة تفرض جماعة محاصرة براً وبحراً وجواً معادلة ردع متكاملة، فإذا ضُربت صنعاء ضُربت الرياض وأرامكو وجدة بنفس الوقت.
والدلالة أن هذا لا يهدد السعودية فقط، بل يهدد نموذج كل دويلات الترف الخليجية، وثبت أن الحماية الأمريكية عاجزة عن تأمين الرياض، إذن الحرب هنا ليست على حدود، بل على جدوى فكرة أن المال يشتري الأمن والحماية
2️⃣ البعد الثاني: إشكالية التصور السعودي للصراع.
تنطلق السعودية في مقاربتها لصراعها مع اليمن، من تصور مذهبي، يرى في حركة أنصار الله ثورة إسلامية تتطابق تماماً مع ثورة الإمام الخميني الإسلامية، بنفس شعاراتها ومرجعياتها وأهدافها.
هذا التصور هو ما جعل الصراع ينتقل من كونه خلافاً سياسياً يمنياً سعودياً على الحدود والنفوذ، إلى كونه صراعاً على طبيعة الإسلام والدولة في الجزيرة العربية، وبالتالي صراعاً وجودياً لا يقبل القسمة على إثنين.
3️⃣ البعد الثالث: صراع النموذجين وإستحالة التعايش بينهما.
جوهر هذه الحرب هو صراع بين نموذجين مختلفين تماماً..
أ. نموذج الدولة التبعية، القائمة على تصدير النفط الخام واستيراد الأمن من الخارج وشراء الشرعية بالمال.
ب. نموذج الدولة الإنتاجية المقاومة، القائمة على التصنيع العسكري الذاتي تحت الحصار والاكتفاء ورفض الوصاية.
وهذان النموذجان متناقضان بنيوياً، ولا يمكن أن يتعايشا في مجال جيوسياسي واحد لفترات زمنية طويلة. وأنتصار الأول يعني عودة اليمن إلى الحديقة الخلفية للرياض، بينما أنتصار الثاني يعني ولادة نموذج قابل للتكرار في دول عربية أخرى، وهذا يعني خسارة الرياض لقيادة المشروع السني في المنطقة.
4️⃣ البعد الرابع: كسر الجغرافيا المقدسة.
تتميز هذه الحرب عن كل حروب المنطقة بأنها بلا سقف جغرافي، بسبب أرتباطها بالمقدس، ويمكن فهم تشكيل تحالف إسلامي عسكري مقره الرياض، والذي يسمى استراتيجياً تحالف مكة، كمحاولة لتوظيف المقدس كدرع سياسي بعد فشل الغطاء القانوني لتحالف دعم الشرعية. وهو ما أدخل مكة وجدة ضمن بنك التهديد المتبادل، مما يجعل أي خطأ تكتيكي غير مقصود، أو لربما يتدخل طرف ثالث كأمريكا وأسرائيل، ولا أستبعد الرياص نفسها بأرتكاب حماقه ضرب مكه، لتأليب العالم الأسلامي كله ضد اليمن، لتتحول إلى فتنة لا يمكن السيطرة عليها.
5️⃣ البعد الخامس: إستجابة المخرج التفاوضي.
تتميز الحرب الوجودية بخصائص معينه وهي إنعدام قابلية التنازل والحياد فيها ، وتتحول كل هدنة إلى إعادة تسلح نوعي بين الطرفين.
السعودية لا تستطيع التنازل عن كونها قائد الجزيرة العربية، وصنعاء لا تستطيع التنازل عن إستقلالها بعد أكثر من عشر سنوات من التضحيات.
▪️ الخاتمة :
الحرب اليمنية ـ السعودية هي من أخطر الحروب الحالية، ليس بمؤشراتها الكمية بل النوعية. فحرب غزة أخطرها إنسانياً وحرب أوكرانيا أخطرها نووياً، لكن هذه الحرب هي أخطرها إستراتيجياً، لأنها الحرب الوحيدة إذا انفجرت بشكل كامل قادرة على تفجير ثلاث ثوابت حكمت المنطقة لخمسين سنة مضت.
الثابت الأول، أن الولايات المتحدة قادرة على توفير الحماية الأمنية لدول الخليج.
الثابت الثاني، أن مكة محايدة وآمنة ومستثناة من الصراعات.
الثابت الثالث أن نموذج الدولة الخليجية قادرة على البقاء عبر المال وطاعة الغرب فقط.
لهذا فهي ليست حرب حدود، بل حرب على مستقبل الجزيرة العربية.
وبكيف الله.
التعليقات الأخيرة