أنطولوجيا المؤسسة: معركة الوعي ضد تشوهات الهيكل بأكاديمية الفنون
بقلم : محمد جمال الدين
إن الفن في معناه الفلسفي الوجودي لا يعد مجرد نزهة جمالية، أو ترف شكلي تُزجى به الأوقات، بل هو الكوجيتو الإنساني الأسمى الذي تدرك الأمة به وجودها، وتصوغ عن طريقه كينونتها الحضارية ووعيها الجمعي، وحين تتجسد هذه الكينونة في صرح مؤسسي عريق بحجم أكاديمية الفنون، فإننا لا نتحدث عن مجرد أروقة جافة شُيدت من حجر، بل عن مجمع أسطوري ورمزية معرفية أُقيمت لتصنع الفكر الفني النوعي، وتُخرج مبدعين يحملون تشكيل الوجدان القومي، إذ إن قيمة أية مؤسسة أكاديمية لا تتحدد بالعهود الخالية أو الشعارات الرنانة، بل بمدى إشراق جوهرها الحاضر، وبقدرة قيادتها على تطهير بنيتها من الشوائب، والترسبات التاريخية التي تراكمت كالإرث الثقيل عبر عقود من التغاضي والإرتباك.
وفي قلب هذا الزحام من الركود والتحديات المعقدة، تجلت تجربة الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن منذ توليها مسؤولية رئاسة أكاديمية الفنون كنموذج للقيادة الإستثنائية التي رفضت مواربة الأزمات، أو الهروب من مواجهة التركة الثقيلة، فاقتحمت المشهد بإرادة صلبة ورؤية إصلاحية شاملة، إذ خاضت على الصعيد العلمي والتعليمي معركة واضحة لإعادة ضبط الإيقاع الأكاديمي، وتكريس مبادئ العدالة التنظيمية، ورد الحقوق إلى نصابها لضمان بيئة صحية، تستعيد كرامة الأستاذ والطالب على حد سواء، ولم تتوقف هذه الجهود عند الحدود الإدارية، بل امتدت لتحدث ثورة في البنية التحتية والإبداعية، حيث شُيدت وطُورت المساحات والفضاءات الفنية والمسرحية، لتستوعب الطاقات الشابة، وتتحول الأكاديمية إلى خلية نحل لا تتوقف عن الإنتاج.
وقد أثمرت هذه الرؤية إطلاق المبادرات والفاعليات النوعية الكبرى، التي أعادت للشارع المصري والعربي التفاعل الحي مع نبض الأكاديمية، وفي مقدمتها مهرجان الميكرو تياترو، ومبادرة شارع الفن، فضلاً عن سلسلة من البروتوكولات والشركات الثقافية المتميزة، وكل هذا اقترن بجانب إنساني نبيل تجلى في أسلوب قيادتها الواعي الذي يحتضن قضايا الطلاب والأساتذة والعاملين، مجسداً مفهوم المؤسسة الحية التي تبني الإنسان قبل أن تصوغ النص، غير أن هذا الجهد الجبار الذي تُبذله الدكتورة نبيلة حسن للنهوض بمؤسسة تضم معاهد قامة كالمعهد العالي للفنون المسرحية، والمعهد العالي للموسيقى العربية، والمعهد العالي للسينما، وهي معاهد حملت أسماء عظماء الفن والمفكرين الذين صاغوا وجدان الأمة، الأمر الذي يفرض علينا سياط الأسئلة النقدية الحادة: كيف يجوز أن تُهدر هذه الجهود العظيمة، وهذه الميزانيات الضخمة، على كيانات داخل الأكاديمية تُشكل نشازاً صارخاً في بنيتها المعرفية والوظيفية؟.
إن التحليل النقدي العميق لقرار إنشاء أكاديمية الفنون، يكشف بلا أدنى لبس أن وظيفتها الأساسية والأصلية التي أنشئت من أجلها، هي تخريج فنان نوعي ممارس ومبدع في مجاله الفني التطبيقي، وهنا يتجلى التناقض المعرفي والمنهجي الصارخ في وجود المعهد العالي للفنون الشعبية داخل هذا الهيكل الإبداعي، فإذا أنصفنا العقل والفلسفة، فما العلاقة بين تخريج "فنان" وبين أقسام مثل الأدب الشعبي، أو مناهج الفولكلور، أو العادات والتقاليد والمعتقدات الشعبية؟، إن هذه التخصصات في جوهرها دراسات إنسانية ونظرية وتوثيقية، مكانها الطبيعي والطليعي هو كليات الآداب، أو مراكز البحوث الاجتماعية في وزارة التعليم العالي، تحت مسمى المعهد العالي للدراسات الشعبية، وليست أكاديمية متخصصة في صناعة الفن والتجسيد الإبداعي.
وحتى حين ننظر إلى الشعب ذات الصبغة الفنية داخل هذا المعهد، نكتشف حجم التكرار والإزدواجية المنهجية، التي لا تقدم أي جديد، فشعبة المسرح الشعبي هي في حقيقتها جزء أصيل من مناهج وطبيعة عمل المعهد العالي للفنون المسرحية، وشعبة الموسيقى الشعبية تقع في صلب علوم المعهد العالي للموسيقى العربية والكونسرفتوار، وشعبة الرقص الشعبي لا تخرج عن كونها تخصصاً فرعياً تدرسه أروقة معهد الباليه، وقسم فن التشكيل الشعبي يندرج تلقائياً تحت تصميم الديكور وهندسة المناظر بالفنون المسرحية والسينما.
وحين يحاول البعض التذرع بالحجة الواهية التي تزعم أن خصوصية المعهد تكمن في تقديم خريج باحث وجامع للتراث الشعبي، فإن هذا الإدعاء يمثل إدانة ذاتية صريحة، إذ إنه اعتراف ضمني بأن المعهد لا يُخرج "فنوناً" ولا "فنانين"!، ثم إن الواقع الميداني يصفع هذه الحجة بقسوة، فأين الأثر الأرشيفي والتطبيقي الذي أحدثه هؤلاء الخريجون؟، وأين الموسوعات أو المدونات التراثية الميدانية التي أُضيفت للتراث المصري بفعل هذه الشعب؟، إذ إن الحقيقة المرة تشير إلى أن خريجي المعهد ينصرفون سريعاً إلى مهن أخرى لا علاقة لها بتخصصهم، إما لضعف التأهيل الأكاديمي أو للبحث عن لقمة العيش، لدرجة أن كبار باحثي وجامعي التراث الشعبي المصري المشهود لهم تاريخياً ليسوا من خريجي هذا المعهد أصلاً.
ولا تتوقف الكارثة عند حدود الخلل المفهومي، بل تمتد لتضرب بنيته التعليمية والهيكلية في الصميم، إذ إن المعهد يعاني من عجز هيكلي صارخ في هيئة التدريس يهدد مشروعيته الأكاديمية، فشعبة الموسيقى الشعبية لا تضم سوى أستاذ متفرغ واحد وأستاذة على وشك التقاعد ومدرس مساعد واحد، بينما الباقي بالاستعانة بالخارج، وفي شعبة المسرح الشعبي تتكرر المأساة بوجود أستاذ متفرغ، وأستاذ عامل، وأستاذ مساعد خارج البلاد، ومدرس مساعد واحد، أما شعبة الرقص فتعتمد على أستاذ ومدرس فقط، مع غياب تام وكامل للمعيدين في كافة الشعب، وهو ما يكشف عن انقطاع تسلسل الأجيال الأكاديمية.
ويمتد هذا النزيف ليصل إلى المناهج التي تفتقر إلى التوصيف المعياري السليم، وإلى أعداد الطلاب التي انحدرت في مرحلة البكالوريوس والدراسات العليا لتصبح أقل من أصابع اليد الواحدة في بعض الشعب، بل ويمر العام والعامان في بعض التخصصات دون قيد طالب واحد!، وهنا يجب القول إن تشغيل معهد بكامل طاقته الإدارية والمالية ومبانيه، من أجل دارس أو دارسين اثنين لا يمكن تسميته في العرف الإداري والفلسفي إلا صورة صارخة من صور إهدار المال العام، ويضاف إلى ذلك بعض الممارسات الإدارية الصادرة عن بعض قيادات المعهد والتي تسيء بشكل مباشر لسمعة الأكاديمية وتاريخها، وهي ممارسات سأفرد لها المقالات القادمة بالأدلة والبراهين الدقيقة، فضلاً عن ملف الرسائل العلمية الذي يكشف في كثير من أروقته عن أبحاث منقولة حرفياً أو اختلقت بياناتها بما يتنافى مع أدنى قواعد البحث العلمي الأخلاقي.
إن الفلسفة تعلمنا في نهاية المطاف أن الوجود الحقيقي لا يستقيم إلا بشجاعة القطع والتطوير، وإنه لغبن حضاري وجريمة إدارية أن تضيع جهود القيادة المخلصة المتمثلة في الأستاذة الدكتورة نبيلة حسن، وتتآكل المكتسبات العظيمة لمعاهد عريقة أضأت الشرق بأكمله كالمسرح والسينما والموسيقى، بسبب أخطاء وتجاوزات معهد واحد أصل وجوده في الأكاديمية خاطئ، وأثره الفني منعدم، ومشاكله باتت كارثية، فالحفاظ على قيمة الفن المصري يستوجب إتخاذ قرار حاسم ينقذ الأكاديمية من هذا النزيف، ويعيد تصحيح المسار التاريخي بنقل هذا المعهد إلى وزارة التعليم العالي، أو إعادة هيكلته خارج مظلة الفنون، ليبقى الصرح ناصعاً ومستحقاً للرسالة العظيمة التي أُنشئ من أجلها.
التعليقات الأخيرة