news-details
مقالات

الطوفان  *

 


ملفينا توفيق ابومراد/لبنان 
*
كثرت مؤخراً الفيديوهات التي يذكر فيها المتحدثون أن قصة الطوفان في التوراة هي نسخة عما ورد في ملحمة جلجامش.
وحسب التوراة، يختلف تاريخ الطوفان بين النص العبري والنص السبعيني اليوناني.
فحسب التسلسل الزمني الوارد في الكتاب المقدس - سفر التكوين (علماً أن التوراة لا تذكر التاريخ مطلقاً)،
يختلف تحديد تاريخ الطوفان بناءً على المراجع والنص المعتمد في الحساب :
  حسب النص العبري: وقع الطوفان في عام 2348 أو 2349 قبل الميلاد (أو عام 1656 من تاريخ بدء خلق آدم).
  حسب النص السبعيني (اليوناني): وقع الطوفان في عام 3178 قبل الميلاد تقريباً.
وبين التاريخ الذي كتب فيه جلجامش في اللوح الحادي عشر من ملحمته الشهيرة؛ إذ عاش الملك جلجامش تقريباً بين عامي 2800 و2500 قبل الميلاد (وتشير بعض المصادر التاريخية مثل "قائمة الملوك السومرية" إلى أنه حكم في حدود عام 2600 قبل الميلاد).
فإذا اعتمدنا النص العبري، لتبين أن قصة الطوفان أو طوفان نوح مأخوذة عن ملحمة جلجامش.
أما إذا اعتمدنا النص اليوناني (النهج السبعيني)، فيكون جلجامش قد أخذ القصة من التوراة.
السؤال يطرح نفسه: إذا كان الملك جلجامش قد عاش بين 2800 و2600 قبل الميلاد، فكيف كتبت ملحمة جلجامش على مراحل عبر قرون طويلة من حضارة بلاد الرافدين؟
  القصائد السومرية الأولى: تعود إلى حوالي 2100 قبل الميلاد، وهي عبارة عن قصائد منفصلة باللغة السومرية تتحدث عن بطلها الملك جلجامش (الذي يُعتقد أنه حكم مدينة أوروك في القرن 26 ق.م).
  النسخة البابلية القديمة: كتبت في الفترة بين 2000 و1500 قبل الميلاد.
  ارتباط ملحمة أتراحاسيس: ترتبط بطلًا في ملحمة مكتوبة، ويرتبط نصها بالعصر البابلي القديم، في القرن 18 قبل الميلاد، وهو العصر الذي عاش فيه حمورابي (الذي حكم بابل في القرن الثامن عشر قبل الميلاد تقريباً، نحو 1792–1750 ق.م وفق التسلسل الزمني الأوسط).
أسباب الطوفان حسب جلجامش
السبب الرئيسي للطوفان في ملحمة جلجامش هو الضجيج والصخب والزيادة المفرطة في أعداد البشر، مما أزعج الآلهة وحرمها من النوم والراحة، فاتخذت قراراً بإفناء البشرية.
  قرار مجمع الآلهة: قرر الإله إنليل ومعظم مجمع الآلهة إرسال الطوفان العظيم لتدمير البشر.
  الإزعاج والضوضاء: تسبب تزايد البشر السريع في إصدار أصوات وضجيج كبير لم تستطع الآلهة تحمله.
  دور الإله إيا (إنكي): كان الإله "إيا" متعاطفاً مع البشر (أو مع بطل الطوفان "أوتنابيشتيم")، فقام بتسريب قرار الآلهة إليه سراً وأمره ببناء الفلك لينقذ نفسه ومن معه والحيوانات.
سبب الطوفان حسب التوراة
حسب سفر التكوين في التوراة (الكتاب المقدس)، السبب الرئيسي للطوفان هو انتشار الشر والفساد الكبير وسفك الدماء على وجه الأرض. وتفصيل الأسباب الواردة في النص التوراتي (الأصحاح السادس من سفر التكوين) يتلخص فيما يلي:
  كثرة شر الإنسان: رأى الرب أن شر الإنسان قد كثر على الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير باستماتة.
  امتلاء الأرض ظلماً وعنفاً: أصبحت الأرض ممتلئة بالفساد والعنف وسفك الدماء بين البشر.
  تزاوج "أبناء الله" من "بنات الناس": ورد في النص أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات فاتخذوا لأنفسهن نساءً من كل ما اختاروه (وهو أمر أدى إلى انحراف أخلاقي ونسل أطلق عليه في التراث اليهودي اسم "الجبابرة" أو العماليق).
   ونتيجة لذلك، قرر الله تطهير الأرض وإهلاك كل ذي جسد فيه روح حياة من تحت السماء، باستثناء النبي نوح وعائلته ومن معه في الفلك، لأنه وجد باراً وكاملاً في أجياله وسار مع الله. (سؤال يطرح نفسه: هل الله إله شر؟)
ملحمة أتراحاسيس البابلية وطوفانها
تروي ملحمة أتراحاسيس البابلية (التي يعود تاريخها إلى قرابة القرن الثامن عشر قبل الميلاد) قصة الطوفان العظيم كعقوبة إلهية بسبب الضجيج والصخب البشري. وتتلخص أحداث الطوفان في النقاط التالية:
  سبب الطوفان (ضوضاء البشر): بعد خلق البشر ليتولوا الأعمال الشاقة بدلاً من الآلهة، تكاثرت البشرية بشكل كبير. هذا التوسع أدى إلى إصدار ضجيج وصخب شديد حرم الإله الأعلى "إنليل" من النوم والراحة. حاول "إنليل" أولاً تقليص عددهم بإرسال الأوبئة، ثم المجاعة والجفاف، لكن الإله "أنكي" (إله الحكمة والمياه) كان يساعد البشر على النجاة في كل مرة. إزاء هذا الفشل، فقد "إنليل" صبره وقرر إبادة البشرية تماماً بطوفان شامل.

  المؤامرة السرية وبناء السفينة: أجبر "إنليل" الآلهة على أخذ عهد بالسرية وعدم تحذير البشر. لكن الإله "أنكي" المحب للبشر تحايل على القسم؛ حيث ذهب إلى كوخ الحكيم "أتراحاسيس" (وتعني الفائق الحكمة) وتحدث إلى جدار القصب للكوخ بصوت عالٍ ليسمعه أتراحاسيس. وأمره "أنكي" بهدم بيته وبناء سفينة دائرية عملاقة، وأعطاه مواصفات دقيقة تشمل: عزل السفينة باستخدام القار (البيتومين) من الداخل والخارج، جعلها ذات سقف وجدران فاصلة لحماية من بداخلها، وجمع عائلته، والحرفيين المهرة، وبذور الحياة، وذكور وإناث من مختلف الحيوانات والطيور.
  وقوع الكارثة وندم الآلهة: بدأ الطوفان وكان مرعباً للغاية، حيث وصفت الملحمة الرياح والأمطار بأنها "جأرت مثل ثور بري" وغاب وجه الشمس تماماً. كان الهول شديداً لدرجة أن الآلهة نفسها أصابها الرعب والندم؛ وبكت الإلهة الأم "مامي" على فناء أولادها (البشر). علاوة على ذلك، عانت الآلهة من الجوع والعطش الشديدين لأن موت البشر قطع عنهم القرابين والتقدمات الغذائية التي كانوا يعتمدون عليها.
  انحسار المياه والنهاية: استمر الطوفان سبعة أيام وسبع ليالٍ. وعندما بدأت المياه بالانحسار، رست السفينة على اليابسة. خرج أتراحاسيس وقدم فوراً أضحية وقرابين مشوية للآلهة. ومن شدة جوع الآلهة، تجمعت حول رائحة القربان الزكية "مثل الذباب". غضب "إنليل" عندما رأى السفينة واكتشف نجاة بعض البشر، ولكن بعد عتاب من "أنكي" والآلهة الأخرى، هدأ وتصالح مع الوضع. ولضمان عدم تكرار أزمة الضجيج السكاني، وضعت الآلهة حلولاً بديلة للتحكم في أعداد البشر بدلاً من إبادتهم.
2026/10/14

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا