news-details
مقالات

كفى شماتة في الموت.. فإن أحمد الزند يحاسب الآن أمام قاضي السماء

 


عادل محمود 

الموت ليس مجرد حدث عابر في دورة الحياة، بل هو الحقيقة المطلقة التي تتواضع أمامها كل الخلافات، وتتلاشى على عتباتها كل الخصومات السياسية أو الشخصية. 

وحين يرحل إنسان عن عالمنا، أياً كانت مواقع التباين أو الاختلاف التي وقف فيها خلال حياته، فإن مشهد الوداع الأخير يفرض على النفوس السوية وقفة تأمل عميقة تليق بقدسية الموت وجلاله.

ومؤخراً ومع رحيل المستشار أحمد الزند، وزير العدل الأسبق، تجدد الجهد على منصات التواصل الاجتماعي بين من يستحضر مواقفه المثيرة للجدل، وبين من يطلق العنان لعبارات الشماتة والتشفي.

 وهنا يقف العقل والوجدان الإنساني حائراً أمام هذه المظاهر: أليس في الموت كفاية للعظة؟ 

ومتى نتوقف عن تحويل رحيل البشر إلى ساحة لتصفية الحسابات الوهمية؟

علمتنا الشرائع السماوية، والأخلاق الإنسانية العريقة أن 
"اذكروا محاسن موتاكم"، ليس مجرد شعور عاطفي، بل هو انضباط أخلاقي يحمي المجتمع من الانزلاق إلى مستنقع القسوة والتجرد من الإنسانية. 

الخصومة السياسية أو الفكرية تنتهي بطبيعة الحال بانتهاء أمدها أو برحيل أطرافها، والاستمرار فيها بعد الموت لا يغير من الواقع شيئاً، بل يكشف عن نفوس أنهكها الحقد وأعماها الغضب عن رؤية الحقيقة الأكبر.

إن أحمد الزند، كغيره من البشر، رجل أخطأ وأصاب، له ما له وعليه ما عليه.

 شغل مواقع حساسة في فترة دقيقة من تاريخ الوطن، وصنع بقراراته وتصريحاته محطات أثارت انقساماً واسعاً. 

لكن الحساب البشري، والنقاش حول السياسات والأداء العام، له وقته ومجاله في حياة الإنسان. 

أما بعد الموت، فإن الموازين تتغير جذرياً.

حين يغادر الإنسان هذه الدار الفانية، فإنه ينتقل من محكمة الأرض المتغيرة، بضعفها وانحيازاتها ومحدوديتها، إلى محكمة السماء المطلقة.

 هناك، حيث لا نفوذ ولا جاه ولا أصوات هتافات ولا شاشات إعلام.

يقف العبد بين يدي "قاضي السماء"، العادل الحكيم الذي يحيط بكل خافية، والذي لا يظلم مثقال ذرة.

إن الانشغال بالشماتة في ميت هو تعدٍ غير مبرر على حكمة الخالق في تدبير أمور عباده. 

فالله سبحانه وتعالى هو وحده العليم بالسرائر، وهو القادر وحده على الحساب والتقييم العادل لكل فعل ونية. 

وحين نترك الميت لمصيره بين يدي ربه، فإننا نؤكد إيماننا بأن العدل الإلهي هو الملاذ الأخير والأبقى، وأنه أقوى وأعدل بكثير من كل أحكام البشر العاطفية والمتسرعة.

إننا بحاجة ماسة اليوم، وسط صخب الحياة الرقمية والتنافس المحموم على منصات التواصل، أن نستعيد تلك المروءة العربية والإنسانية التي ترفع من شأن المجتمعات. 

الشماتة في الموت لا تضر المتوفى في شيء، بل تمثل مرآة كاشفة لفقر الأخلاق وقسوة القلوب لدى الشامت.

دعونا نترك الخلافات تسقط في حفرة اللحد، ولنتعلم كيف نتصالح مع فكرة أننا جميعاً راحلون.

 وأن الموت هو العظة الكبرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

 رحم الله كل من غادر هذه الدنيا، وجعلنا ندرك أن التسامح والترفع هما العنوان الحقيقي للتحضر والرقّي الإنساني.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا