أخبار عاجلة
news-details
مقالات

من الفوضى الخلاقة إلى الفوضى المنظمة

 


 بقلم: أيمن بحر

لم يعد ما يشهده العالم من حروب وصراعات وتوترات سياسية واقتصادية مجرد أحداث متفرقة يمكن النظر إليها بمعزل عن بعضها البعض فالمشهد الدولى يتغير بوتيرة متسارعة والتحالفات يعاد تشكيلها وموازين القوى تتعرض لاختبارات صعبة فى ظل صراع متزايد على النفوذ والثروات وطرق التجارة وممرات الطاقة الاستراتيجية

ومن هنا يبرز تساؤل بالغ الأهمية هل انتقل العالم من مرحلة الفوضى الخلاقة التى ارتبطت بمحاولات إعادة تشكيل الواقع السياسي فى بعض مناطق العالم إلى مرحلة أكثر تعقيدا يمكن وصفها بالفوضى المنظمة حيث تتشابك الأزمات وتتداخل المصالح وتتحول الصراعات إلى أدوات ضغط متبادلة بين القوى الكبرى

إن خطورة المشهد الحالى لا تكمن فقط فى اندلاع الحروب أو تصاعد التوترات وإنما فى قدرة بعض الأطراف على استثمار نتائج هذه الأزمات لتحقيق مكاسب استراتيجية فقد يؤدي صراع عسكرى فى منطقة حيوية إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف النقل والتجارة ثم تمتد آثاره إلى اقتصادات دول بعيدة عن ساحة المواجهة لتجد نفسها أمام تحديات لم تكن طرفا مباشرا فيها

وفى عالم تحكمه المصالح لا يكفي أن نسأل من أشعل الأزمة بل يجب أن نسأل أيضا من يستفيد من استمرارها ومن يمتلك القدرة على توجيه مساراتها ومن يدفع الثمن الأكبر عندما تتسع دائرة المواجهة

فالولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى الحفاظ على نفوذها الدولى ومواقعها الاستراتيجية بينما تعمل قوى دولية أخرى على توسيع حضورها وتقليص هيمنة القطب الواحد فى الوقت الذى تتنافس فيه أطراف إقليمية على النفوذ والسيطرة على الموارد والممرات الحيوية

وبين هذه الحسابات تتعرض الدول العربية لاختبارات مصيرية فى ظل استمرار الصراعات وتزايد الضغوط وتداخل الملفات الأمنية والاقتصادية من الخليج العربي إلى البحر الأحمر ومن شرق المتوسط إلى القرن الإفريقى

إن المنطقة العربية تمتلك موقعا جغرافيا بالغ الأهمية وثروات استراتيجية كبيرة وهو ما يجعلها حاضرة باستمرار فى حسابات القوى الدولية والإقليمية ولذلك فإن الحفاظ على استقرار الدول العربية لم يعد مسألة داخلية فقط بل أصبح مرتبطا بقدرتها على حماية أمنها القومى وتعزيز تعاونها المشترك ومنع تحويل أراضيها إلى ساحات لتصفية الحسابات

ولا يمكن الجزم بأن جميع الأزمات الراهنة تتحرك وفقا لخطة واحدة أو أن هناك جهة بعينها تدير كل تفاصيل المشهد العالمى فالتاريخ يؤكد أن كثيرا من الصراعات تنشأ نتيجة تضارب المصالح وسوء التقدير والقرارات المتسرعة لكن المؤكد أن القوى الأكثر استعدادا هى الأقدر على استغلال الفوضى وتحويل خسائر الآخرين إلى مكاسب استراتيجية

وهنا تظهر أهمية الوعى السياسى والإعلامى لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه الشعوب هو الانسياق وراء الشائعات أو التعامل مع التحليلات غير المؤكدة باعتبارها حقائق ثابتة فالفارق كبير بين قراءة المؤشرات وتحليل المصالح وبين إطلاق أحكام قاطعة دون أدلة أو معلومات موثوقة

أما مصر فإن موقعها الاستراتيجى ودورها الإقليمي وارتباط أمنها القومي بما يجرى فى محيطها العربي والإفريقى يفرضون ضرورة متابعة هذه التحولات بعين واعية مع الحفاظ على قوة الدولة ومؤسساتها وحماية مقدرات الشعب وتعزيز القدرات الاقتصادية والعسكرية وتجنب الانجرار إلى صراعات لا تخدم المصالح الوطنية

إن المرحلة المقبلة قد تحمل تحولات كبرى فى شكل النظام الدولى وربما نشهد إعادة توزيع للنفوذ والقوة فى أكثر من منطقة لكن حجم المخاطر سيظل مرتبطا بقدرة الدول على إدارة الأزمات وحساب خطواتها بدقة وبناء علاقات متوازنة تحمى مصالحها وتحد من فرص التصعيد

وفي النهاية فإن الفوضى لا تعني دائما غياب من يستفيد منها لكنها لا تثبت وحدها وجود مخطط شامل يدير العالم من خلف الستار وبين هذين الاحتمالين تظل القراءة الواعية للأحداث ومراجعة المعلومات وفهم المصالح الحقيقية هى الطريق الأكثر أمانا لفهم ما يجري

ويبقى السؤال الذى يستحق أن تطرحه الشعوب وصناع القرار هل يشهد العالم مجرد تقاطع بين أزمات وصراعات متعددة أم أننا أمام مرحلة جديدة يعاد خلالها رسم خرائط النفوذ وموازين القوة

الأيام المقبلة وحدها ستكشف الكثير لكن الثابت أن الدول التيدى تمتلك الوعي والرؤية والقدرة على حماية مصالحها ستكون الأقدر على مواجهة العواصف مهما اشتدت

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا