news-details
مقالات

اليمن: أوطان للسرقة وشعارات للذكرى.. تفكيك عُقد الشرعية، أيديولوجيا الحوثي، وازدواجية الإقليم

 


إعداد الكاتب والباحث السياسي 
عدنان صگر الخليفه 
رئيس إتحاد القبائل العراقية 

مقدمة تحليلية منهجية
حين يفقد الخطاب السياسي مقدساته وتتحول الخريطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط إلى مسرح لإعادة هندسة النفوذ، تصبح دراسة الصراعات عبر المناهج التقليدية تمرينًا عبثيًا في طمأنة الأوهام. إن تفكيك الأزمة اليمنية يتطلب إسقاط الشعارات العاطفية والمقولات الدبلوماسية المستهلكة، والانتقال إلى مقاربة واقعية ومجردة تستند إلى رصد موازين القوى الفعلية، والتقاطعات الجيوسياسية، والازدواجبة المعيارية التي تحكم سلوك الفاعلين الإقليميين والدوليين. تهدف هذه الدراسة إلى قراءة بنوية تحليلية لمسار الصراع في اليمن، من لحظة التدخل الاستباقي عام 2015، مرورًا بانقسام الخريطة بين سلطات الأمر الواقع، وصولاً إلى استشراف المآلات البنيوية الحتمية لأي تغيير محتمل في معادلات السيطرة، وضعًا في الاعتبار منطق التسويات القبلية والتاريخية التي تحكم البنية المجتمعية اليمنية.

وهم الشرعية: من دولة مركزية إلى واجهة وظيفية بلا رصيد

في العرف الدبلوماسي والعلاقات الدولية، تحتاج أي عملية عسكرية أو تدخل إقليمي إلى مظلة قانونية رسمية؛ ومن هنا وُجدت ما تُسمى بـ "الحكومة الشرعية". غير أن التجرد الواقعي يثبت أن هذه الحكومة لا تمثل دولة مركزية متماسكة منبثقة من إرادة شعبية داخلية، بل هي مظلة إدارية ودبلوماسية مؤقتة ومفتعلة صُنعت لتوفير الغطاء القانوني والدولي لتدخل التحالف الإقليمي. هذه الحكومة لا تملك أرضاً تحكمها داخل الداخل اليمني، ولا تمتلك جيشاً مركزياً يحميها، بل تحولت إلى مجرد أداة وظيفية لإدارة الحرب والغطاء الدبلوماسي، بينما تتوزع السيطرة الفعلية على الأرض بين قوى أخرى صلبة تجعل من وجودها الورقي مجرد واجهة بلا رصيد فعلي.

جغرافية الأمر الواقع: انقسام الميدان بين الشمال الحوثي والجنوب المستقل

تستند الخريطة اليمنية اليوم إلى معادلة ميدانية حاسمة لا مكان فيها لهذه الشرعية الوظيفية، حيث ينقسم المشهد بوضوح صارخ؛ فالشمال والوسط الممتد على مساحة واسعة تضم الغالبية البشرية تسيطر عليه سلطة الأمر الواقع الحوثية بقبضة أمنية وعسكرية محكمة مستندة إلى إرث الدولة ومقدراتها. وفي المقابل، يسيطر المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي على الجنوب رافعاً بوضوح شعار حق تقرير المصير واستعادة الدولة الجنوبية المستقلة، وممتلكاً للقوات العسكرية والأمنية التي تبسط سلطتها الكاملة على الأرض. هذا الغياب التام للدولة المركزية يعني أن أي تسوية أو تفاوض مستقبلي يجب أن يجري حصراً بين هاتين القوتين الفعليتين على الأرض، بعيداً عن أوهام الشرعية المصطنعة.

جوهر الحرب: اصطدام العقائد وتبرير الضربات الاستباقية

ومن الإنصاف التجرد من الأدلجة والتأكيد على أن الحوثيين مكون يمني أصيل، متجذر في النسيج الاجتماعي والقبلي والجغرافي للشمال، ولم تكن حركتهم في أصلها حركة عابرة للحدود أو تقاتل خارج الجغرافيا اليمنية. غير أن السؤال الجوهري يكمن في سبب قيام الحرب ضدها؛ فالتاريخ يثبت أنه قبل عام 2015 لم يكن الحوثيون يهددون الملاحة الدولية في البحر الأحمر، ولم يكونوا يطلقون الصواريخ أو يقصفون العمق الإقليمي للجوار. إذن، لم يكن التهديد مادياً مباشراً، بل كان كامناً في الارتباط العقائدي والسياسي لتوجهاتهم بـ "ولاية الفقيه" الإيرانية. رأت دول الجوار في هذا الولاء العقائدي المذهبي خطراً استراتيجياً وتهديداً وجودياً لأمنها القومي، فجاءت حرب 2015 كضربة استباقية ووقائية لمنع تجذر هذا الامتداد العقائدي على حدودها المباشرة، بغض النظر عن يمنية الحوثي الداخلية.

ازدواجية المعايير الدولية: بين تبرير صعود الجولاني وتجريم الحوثي

وهنا تتجلى قمة الازدواجية السياسية في الإقليم والعالم حين نقارن موقف العواصم من حركات التغيير المسلح؛ فعندما نراقب حالة هيئة تحرير الشام وجبهة النصرة سابقاً بقيادة أبو محمد الجولاني، نجد أنه على الرغم من الجذور الراديكالية والتاريخ العنيف والتصنيف الإرهابي الدولي السابق ورصد ملايين الدولارات على رأس قائدها، إلا أن وصولها إلى سدة الحكم في سوريا وإطاحتها بالنظام الحليف لإيران قوبل بمباركة وتبريكات إقليمية ودولية واسعة، لأن توجهها العقائدي والسياسي لا يتقاطع عدائياً مع منظومة الإقليم، بل يخدم مصلحتهم الاستراتيجية في إسقاط الخصم. في المقابل، نجد حالة الحوثي في اليمن؛ وعلى الرغم من أنه لم يقاتل خارج حدود وطنه ولم تكن حركته عابرة للحدود بالمعنى التقليدي، إلا أنه حُورب وصُنف كخطر داهم، لأن عقيدته مرتبطة بالخصم الإقليمي الأكبر. هذه المفارقة تثبت بوضوح أن السياسة الدولية لا تحاكم الأطراف بميزان نقاء الوسيلة أو التاريخ الدموي، بل بميزان التقاطع أو التعارض مع الأجندة الاستراتيجية للإقليم.

مآلات ما بعد انكسار الحوثي: حتمية الصدام بين الشمال والجنوب ومأزق الحلفاء

ولو افترضنا جدلاً انكسار الحوثي وعودة ما تُسمى بالشرعية إلى صنعاء، فهل تعود اليمن السعيد الموحد؟ الجواب قطعاً لا؛ سيفجر هذا السيناريو حتمياً صراعاً دموياً مباشراً بين الشمال والجنوب. فالقوات الجنوبية والمجلس الانتقالي بقيادة عيدروس الزبيدي لن يقبلوا بالعودة إلى عباءة الوحدة القسرية التي رُوّج لها طويلاً، وحينها ستجد الشرعية نفسها عاجزة تماماً عن فرض سيطرتها لعدم امتلاكها جيشاً حقيقياً على الأرض، بينما سيتحول الخطاب الجنوبي المطالب بتقرير المصير إلى دفاع مسلح عن استقلال الدولة. وأمام هذا المأزق، سيجد الإقليم نفسه أمام خيار مرّ؛ فدعم الشرعية لفرض الوحدة بالقوة يعني استمرار حرب أهلية مدمرة على باب المندب، بينما دعم أمر واقع استقلال الجنوب يضمن أمن الملاحة. وإن تركت الأمور للميدان، فسيخضع التحالف حتماً لمنطق من يثبت سيطرته على الأرض ويؤمن الممرات، تُمطر عليه التهاني بغض النظر عن الشعارات القديمة.

الحرب العبثية وحتمية ترك اليمن لأهله: القبيلة والتسويات البديلة

إن وصول الأمور إلى هذه المآلات العبثية يضعنا أمام الحقيقة المرة التي صدق فيها من وصف هذه الحرب بأنها "حرب عبثية" لا مبرر لاستمرارها؛ فلماذا نشأت من الأساس ولماذا تدخّل التحالف ضد اليمنيين ما دام المآل النهائي سينتهي إلى ترك اليمن لميزان القوى على الأرض، بغض النظر عن هوية المنتصر؟ ألم يكن أجدر بالجميع أن يُترك اليمن لأهله ليقرروا مسارهم بأنفسهم، سواء بالانفصال أو الوحدة، وليخوضوا صراعهم الداخلي الذي ما إن ينتهي حتى يعودوا إلى طبيعتهم القبلية الأصيلة في صياغة التسويات الداخلية والاتفاقات السياسية؟ فالتاريخ اليمنـي يثبت مراراً أن النزاعات الداخلية لا تلبث أن تفرز توازناتها وتُحل عبر الروابط البنيوية والتفاهمات بين القبائل، دون الحاجة لكل هذا الدمار والخراب الذي لم ينتج سوى أوطان للسرقة وشعارات للذكرى.

خاتمة: نحو استعادة الإرادة الوطنية المستقلة
تؤكد هذه القراءة التحليلية أن التأسيس لمستقبل مستقر في اليمن لا يمكن أن يتحقق عبر استنساخ أطر الوصاية الخارجية أو الرهان على كيانات ورقية فقدت صلاحيتها الميدانية. إن استنزاف مقدرات الشعب اليمني تحت يافطة الشرعيات المصطنعة أو المواجهات الوقائية قد أثبت عجزه البنيوي عن إنتاج دولة المواطنة والسيادة. وخلاصة القول إن أية تسوية حقيقية ومستدامة يجب أن تنطلق من الاعتراف بالواقع الموضوعي على الأرض، وتسليم الزمام لإرادة أبناء اليمن وقبائله ومكوناته الحية شمالاً وجنوباً، لترتيب معادلاتهم السياسية الداخلية بعيداً عن حسابات المحاور الإقليمية والدولية؛ فالتاريخ والواقع يبرهنان في النهاية على أن الأوطان لا تُبنى بسياسات الاستنزاف والخراب، بل بوعي أبنائها وقدرتهم الذاتية على صناعة السلام والعدالة.
15 تشرين الاول 2026

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا