أخبار عاجلة
news-details
مقالات

غُربة الأوطان ووصايا الأرض: خمسون عاماً من استشراف الوجع العربي

 


بقلم/ الكاتب والباحث السياسي 
       عدنان صگر الخليفه 
رئيس إتحاد القبائل العراقية 

حين تقف الأجيال اليوم أمام شاشات التاريخ لتستعيد ذلك المشهد الخالد من مسرحية غُربة التي عرضت في منتصف السبعينيات، يغمرها شعور طاغ بالذهول؛ فقد خط الكاتب العظيم محمد الماغوط وشخّصه بوجع الفنان دريد لحام، وقبلهما خلدت سينما يوسف شاهين ورواية عبد الرحمن الشرقاوي أداءً أسطورياً للراحل الكبير محمود المليجي في شخصية محمد أبو سويلم بفيلم الأرض، لتقدم هذه الأعمال وثائق تنبؤية استشرفت بوعي عميق ما آلت إليه أمتنا اليوم، إذ إن ذلك الفكر العربي الأصيل للنخبة الواعية من كتاب وفنانين ومدونين كان يمثل مرآة صادقة تعكس هموم المواطن وطموحه الحقيقي في الوحدة والحرية ورفعة الأمة، مستشرفاً برؤية نافذة ماضينا المجيد لنرسم به أروع تجسيد لمستقبلنا المنشود، وهو ما افتقدناه اليوم بشدة بعد أن تحول جزء كبير من هذا المكون الفكري ليروج لإنهاك الأمة عبر تزييف الحقائق وإنكار الواقع المرير، فراسمين صوراً زائفة تخدع المواطن وتبعده عن إدراك حقيقة حاضره ومستقبله. لم تكن تلك الأعمال الخالدة مجرد عروض ترفيهية عابرة، بل كانت عرافاً يقرأ الغيب بريشة بسيطة تضع الماضي والحاضر والمستقبل عارياً أمام عيون شعوب غفلت عن استشراف تلك النبوءات؛ فحين سأل الأب ابنه الشهيد عن العدالة ووحدة العرب وتحرير فلسطين واللاجئين، جاءت الإجابات ساخرة تؤكد أننا أصبحنا فرجة للأجانب وأن الحدود لم تعد سوى خطوط على خريطة ممزقة، وكأن الماغوط كان يكتب عن واقعنا المعيش اليوم بعد خمسة عقود كاملة حين تجاوزت المأساة حدود التمثيل إلى قسوة الواقع. لقد تحولنا من أمة تتغنى بأمجاد بغداد التي كانت الصخرة التي يتحطم عليها كل الغزاة ومنارة للشعر والثقافة والحرية، وبسورية قلب العروبة النابض، ولبنان درة الشرق بجماله ورونقه، واليمن السعيد بمنبع حكمته، ومصر الكنانة والقيادة التي كانت صوتاً عربياً حقيقياً يتبنى قضايا الأمة، إلى واقع مرير تقطع فيه الأوصال بأيد عربية لا أجنبية، وصار بعض أبناء الوطن غزاة جدد يعتنقون جنسيته لبيع مقدراته وتشتت قراره بين ولاءات إقليمية ودولية. وأصبحت القضية الفلسطينية التي كانت عنواناً للكرامة والوجود مجرد أطراف شعارات تراجعت جغرافيتها حتى بات أهلها والشرعية الممثلة لهم يتوسلون للبقاء على النزر اليسير المتبقي من وطنهم المسلوب، بينما امتلأت أصقاع الأرض وقارات الكون بالمهجرين واللاجئين العرب. إن هذا الانفصام بين الواقع الأليم وما قدمه ذلك الفن والادب الأصيل يضعنا أمام مسؤولية تاريخية كبرى؛ فاستذكار هذه المحطات ليس ترفاً فكرياً بل صرخة إيقاظ لضمير إنسان عربي يرفض الاستسلام لمسار الانهيار والتبعية، متمسكاً بحفنات تراب وطنه تماماً كما تمسك أبو سويلم بترابه حتى آخر قطرة، لنستعيد معاً معاني الكرامة والدولة الوطنية المستقلة قبل أن تضيع ملامح ما تبقى من تاريخنا المجيد.
16 تشرين الاول 2026

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا