news-details
مقالات

حين تتعدد وجوه العنف ... من ألمانيا النازية إلى سنوات مصر في تجربة امرأتين

بقلم الدكتور:- إبراهيم حامد عبداللاه

أستاذ الأدب الألمانى-عميد كلية الألسن

رئيس قسم اللغة الألمانية كلية الآداب..

جامعة بنى سويف

 

 

   هل يبدأ العنف عندما يتعرض الإنسان للاعتداء الجسدي؟ أم أنه قد يبدأ قبل ذلك، حين يفقد الإنسان حريته في الاختيار، أو يصبح صوته غير مسموع، أو تتحول الأسرة والزواج والمجتمع إلى أدوات للسيطرة؟ تطرح رواية "سيدة الظهيرة" للكاتبة الألمانية جوليا فرانك، وكتاب "أسيرة في البلد المحبوب: سنواتي المصرية" للكاتبة هايكه ك. فاجنر، هذه الأسئلة من خلال تجربتين لامرأتين مختلفتين في الزمان والمكان، لكنهما تلتقيان في مواجهة أشكال متعددة من الضغط والعنف والبحث عن الحرية.

    وتقوم الدراسة المقارنة على مفهوم "العنف المتعدد"، أي النظر إلى العنف بوصفه ظاهرة لا تقتصر على الاعتداء الجسدي المباشر، وإنما تشمل أيضا العنف النفسي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي، بحيث تتداخل هذه الأشكال داخل حياة الإنسان وتؤثر في هويته وذاكرته وقدرته على اتخاذ القرار.

جوليا فرانك ورواية "سيدة الظهيرة"

    ولدت جوليا فرانك في 20 فبراير 1970 في برلين الشرقية، وانتقلت مع أسرتها إلى برلين الغربية عام 1978. درست الأدب الألماني الحديث والفلسفة وحضارات أمريكا القديمة، وبدأت نشر أعمالها الأدبية منذ تسعينيات القرن العشرين.

    صدرت روايتها "سيدة الظهيرة" عام 2007، وأصبحت من أهم أعمالها الأدبية، وحصلت بها في العام نفسه على جائزة الكتاب الألماني لعام 2007. وتتناول الرواية حياة امرأة ألمانية في النصف الأول من القرن العشرين، وتربط مصيرها الشخصي بالأحداث السياسية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها ألمانيا.

بطلة الرواية هي هيلينه فورسيش، وهي شخصية تتشكل حياتها في ظل سلسلة من الخسارات والضغوط. تبدأ الرواية بمشهد حاسم في عام 1945، عندما تكون هيلينه مع ابنها بيتر في محطة للقطارات، ثم تتركه وتمضي. ولا يقدم السرد أسباب هذا القرار بصورة مباشرة منذ البداية، وإنما يعود إلى الماضي ليكشف تدريجيا الظروف التي شكلت حياتها وأدت إلى هذه اللحظة.

ألمانيا بين الحربين

    ترتبط حياة هيلينه بتاريخ ألمانيا في النصف الأول من القرن العشرين. فقد اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914 واستمرت حتى عام 1918، وتركت آثارا عميقة في المجتمع الألماني. ثم قامت جمهورية فايمار عام 1919 واستمرت حتى عام 1933، وشهدت اضطرابات سياسية وأزمات اقتصادية واجتماعية.

   وفي 30 يناير 1933 أصبح أدولف هتلر مستشارا لألمانيا، وتحولت البلاد بعد ذلك إلى نظام شمولي قائم على القمع السياسي والتمييز العنصري. ثم اندلعت الحرب العالمية الثانية في الأول من سبتمبر 1939، واستمرت في أوروبا حتى عام 1945.

   ولا تظهر هذه الأحداث في الرواية مجرد خلفية تاريخية، وإنما تدخل مباشرة في حياة هيلينه. فالحرب والاضطهاد العنصري والتحولات السياسية تؤثر في الأسرة والعمل والزواج والهوية، وتحد من قدرة الشخصية على اختيار مصيرها.

هيلينه فورسيش وتراكم العنف

    تبدأ معاناة هيلينه منذ طفولتها، من خلال علاقة أسرية مضطربة اتسمت بالخوف والتهديد وعدم الاستقرار. ثم تتوالى الخسارات في حياتها، ومن أبرزها وفاة كارل، الذي كانت ترى معه إمكانية بناء مستقبل مختلف. وبعد موته تفقد جزءا من الأمل الذي كانت تربطه بحياة أكثر استقلالا.

    ومع صعود النظام النازي، تتعرض هيلينه أيضا للإقصاء والتمييز بسبب أصلها العائلي، فيصبح انتماؤها وهويتها مصدر خطر. كما تواجه ضغوطا داخل حياتها الزوجية والأسرية، وتأتي الحرب لتضاعف الإحساس بالخوف والفقدان.

    ومن هنا لا يمكن فهم العنف في حياة هيلينه بوصفه حادثة واحدة. فالعنف الأسري، والخسارة العاطفية، والاضطهاد العنصري، والحرب، والسيطرة داخل الحياة الخاصة، كلها تتداخل في مسار حياتها. ويؤكد البحث أن هذه التجارب المختلفة تشكل قصة واحدة مترابطة، وأن آثارها تستمر في التأثير في إدراك هيلينه لذاتها وفي قدرتها على اتخاذ القرار.

هايكه ك. فاجنر و"أسيرة في البلد المحبوب"

    أما العمل الثاني فهو كتاب هايكه ك. فاجنر "أسيرة في البلد المحبوب: سنواتي المصرية"، الذي صدر للمرة الأولى عام 2000. وهو عمل ذو طابع لسيرة ذاتية تستعيد فيه الكاتبة تجربتها الشخصية في مصر، وتروي سنوات عاشتها في مجتمع جديد وفي إطار علاقة زوجية تعرضت فيها موازين القوة للاختلال.

    وتختلف طبيعة هذا العمل عن رواية جوليا فرانك؛ ففاجنر لا تقدم شخصية روائية متخيلة، وإنما تروي تجربتها الشخصية، ولذلك تصبح هي نفسها الشخصية المحورية في الكتاب والراوية لأحداثه. ويصف البحث الكتاب بأنه شهادة تذكر ذاتية بدأت في صورة يوميات للذاكرة، ثم تحولت إلى محاولة لفهم الماضي وتفسير الأفعال والقرارات من منظور لاحق.

تجربة فاجنر في مصر

    أدى انتقال فاجنر إلى مصر إلى وضعها في بيئة اجتماعية وثقافية جديدة، ومع محدودية معرفتها باللغة والظروف المحيطة بها ازدادت حاجتها إلى زوجها في التواصل وفهم المواقف اليومية. ومع مرور الوقت أصبح هذا الاعتماد أحد العوامل التي أثرت في استقلالها.

    وتشير الدراسة إلى مظاهر من التحكم في الحركة والقرارات الشخصية، وإلى ضغوط نفسية وإهانات وعزلة اجتماعية. وهكذا تظهر العلاقة الزوجية في الكتاب بوصفها علاقة يمكن أن تتحول من المشاركة إلى السيطرة عندما تختل موازين القوة.

    ومع ذلك، من المهم التأكيد أن الكتاب لا يمثل حكما عاما على مصر أو على الإسلام. ففاجنر تتحدث في مواضع مختلفة بصورة إيجابية عن مصر والمصريين، بينما يتركز نقدها على علاقات محددة وممارسات معينة وعلى تصورات أبوية للسلطة. ولذلك فإن المقارنة تتناول تجربة شخصية وعلاقات قوة محددة، وليس مجتمعا بأكمله.

العنف المتعدد

    يساعد مفهوم "العنف المتعدد" على فهم أوجه التشابه والاختلاف بين العملين. فالعنف قد يكون جسديا، لكنه قد يكون أيضا نفسيا من خلال الإهانة والخوف والتحقير، واجتماعيا من خلال العزلة، واقتصاديا من خلال الاعتماد على شخص آخر، وسياسيا من خلال القمع والتمييز، وثقافيا عندما تستخدم بعض التصورات الاجتماعية لتبرير السيطرة.

   وقد أسهم عالم الاجتماع النرويجي يوهان جالتونج في توسيع فهم العنف من خلال التمييز بين العنف المباشر والعنف البنيوي والعنف الثقافي. ولد جالتونغ في 24 أكتوبر 1930 وتوفي في 17 فبراير 2024.

    وتكشف حياة هيلينه عن تداخل هذه المستويات في ظل الحرب والاضطهاد النازي، بينما تظهر لدى فاجنر في إطار العلاقة الزوجية والانتقال إلى مجتمع جديد والاعتماد على الزوج. ومع اختلاف السياقين، فإن التجربتين تؤكدان أن العنف قد يتراكم ويترك آثارا تتجاوز الحدث الذي وقع فيه.

الصمت والذاكرة

    يحتل الصمت والذاكرة مكانة أساسية في العملين. ففي "سيدة الظهيرة" لا تكشف هيلينه عن ماضيها بصورة مباشرة، وإنما يتقدم السرد من خلال الذكريات والصمت والإيحاء. وتربط الذاكرة بين تجارب الطفولة والخسارات والحرب، بحيث تكتسب الأحداث القديمة معاني جديدة في ضوء التجارب اللاحقة.

    أما فاجنر فتستخدم الكتابة لاستعادة الماضي ومنحه صوتا. فالكتاب محاولة لفهم تجربة سابقة من منظور زمني لاحق، وتحويل الذاكرة إلى رواية شخصية تستطيع من خلالها تفسير ما حدث لها.

استعادة القدرة على القرار

    لا تنتهي التجربتان بالطريقة نفسها. ففي حالة فاجنر، تصل السيرة إلى لحظة تستعيد فيها قدرتها على اتخاذ القرار وترفض الاستمرار في العلاقة بالشروط السابقة. ويتم وصف هذه اللحظة باعتبارها بداية طريقها نحو الحرية.

    أما هيلينه فتظل تجربتها أكثر تعقيدا. فهي تحاول في بعض المراحل استعادة قدرتها على التصرف ومقاومة القيود المفروضة عليها، لكن الرواية لا تقدم خلاصا بسيطا أو تحولا نهائيا نحو الحرية.

ألمانيا ومصر: اختلاف السياقات وتشابه الأسئلة

    لا تعني المقارنة بين العملين المساواة بين ألمانيا النازية والمجتمع المصري الذي تصفه فاجنر. فالفارق التاريخي والسياسي بين السياقين واضح، ولا يجوز تجاهله. لكن الأدب يستطيع أن يضع التجارب المختلفة أمام أسئلة مشتركة تتعلق بالمرأة والسلطة والحرية.

     كيف تتحول العلاقة الإنسانية إلى علاقة سيطرة؟ كيف يؤدي الاعتماد على الآخر إلى فقدان الاستقلال؟ وكيف يمكن للمرأة أن تستعيد صوتها بعد تجربة طويلة من الخوف أو الصمت؟

     تقدم هيلينه فورسيش نموذجا لامرأة ألمانية تشكل مصيرها وسط الحروب والاضطهاد والتحولات السياسية الكبرى، بينما تقدم هايكه ك. فاجنر شهادة شخصية عن سنوات عاشتها في مصر وما رافقها من تغيرات في علاقاتها وقدرتها على اتخاذ القرار.

    وفي العملين لا يأتي العنف من مصدر واحد، وإنما يتكون من طبقات متراكمة تتداخل فيها الأسرة والمجتمع والسياسة والثقافة والذاكرة. ولهذا فإن فهم تجربة المرأة يحتاج إلى النظر إلى حياتها في مجموعها، لا إلى حادثة منفردة.

    وتكشف "سيدة الظهيرة"، المنشورة عام 2007، و"أسيرة في البلد المحبوب: سنواتي المصرية"، المنشورة عام 2000، أن الأدب يستطيع أن يكشف الجوانب الإنسانية الخفية خلف الأحداث الكبرى. فالتاريخ يسجل الحروب والأنظمة السياسية، بينما يكشف الأدب كيف تصل آثار هذه الأحداث إلى البيت والجسد والذاكرة والعلاقات الإنسانية.

    ومن هنا تتجاوز قضية العنف حدود الاعتداء المباشر لتصبح قضية تتعلق بالحرية والاختيار والهوية والقدرة على الكلام. وعندما يفقد الإنسان قدرته على تقرير مصيره أو التعبير عن تجربته، فإن العنف يكون قد تجاوز الجسد ووصل إلى أعماق الشخصية. وهذا ما يجعل قراءة العملين معا مدخلا مهما لفهم العلاقة بين المرأة والعنف والسلطة والذاكرة في سياقات تاريخية وثقافية مختلفة.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا