news-details
مقالات

إرهاصات مجنون:  سوريا بين ازدواجية السيادة والفراغ الجيوسياسي العربي

 


د. طالب الشوكة
لم يكن سقوط نظام بشار الأسد مجرد نهاية لمرحلة سياسية حكمت سوريا لعقود، بل شكّل تحولاً في موازين القوى الإقليمية، وفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز طبيعة النظام الذي سقط إلى مستقبل الدولة التي بقيت، وموقعها في معادلة الأمن القومي العربي.
فإذا كان الوجود الإيراني في سوريا يمثل، وفق الرؤية الخليجية، تهديداً للسيادة الوطنية وامتداداً لمشروع إقليمي عابر للحدود، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كيف ينبغي توصيف الوجود العسكري التركي في الشمال السوري، والتوغل الإسرائيلي في الجنوب، والغارات التي تستهدف الأراضي السورية؟
هل تتغير معايير السيادة بتغير هوية القوة المتدخلة؟ وهل يصبح التدخل الخارجي تهديداً حين يأتي من خصم، وضرورة أمنية حين يصدر عن حليف؟
لا يمكن إنكار أن النظام السوري السابق فتح أراضيه أمام نفوذ عسكري إيراني واسع، كما لا يمكن تجاهل مسؤوليته عن جانب كبير من المأساة السورية. لكن الاعتراف بهذه الحقائق لا يبرر التغاضي عن التدخلات الأخرى، ولا يجعل سقوط النظام مرادفاً تلقائياً لاستعادة الاستقلال الوطني.
لقد تبدلت موازين النفوذ، لكن السؤال الأهم لم يُحسم بعد: هل استعادت سوريا قرارها الوطني، أم أن الصراع على هذا القرار انتقل إلى أطراف جديدة؟
إن الجغرافيا السياسية لا تعرف الفراغ الدائم. وكلما ضعفت مؤسسات الدولة، ازدادت قدرة القوى الإقليمية والدولية على تحويل أراضيها إلى مساحات للتنافس الأمني والعسكري والاقتصادي.
ومن هنا، لا تكمن المعضلة السورية في هوية القوة التي تغادر أو تدخل فحسب، بل في قدرة السوريين أنفسهم على بناء دولة لا تكون ساحة لتصفية حسابات الآخرين.
أما الأمن القومي العربي، فلا يمكن أن يقوم على رفض مشروع إقليمي بعينه مع التساهل تجاه مشاريع أخرى تمس السيادة ذاتها. فالسيادة، إذا أريد لها أن تكون مبدأً سياسياً وقانونياً، لا يجوز أن تتحول إلى أداة انتقائية توظفها التحالفات وفق مصالحها المتغيرة.
الخليج والأزمة السورية: من دعم المعارضة إلى سؤال المسؤولية
لم تكن الأزمة السورية شأناً داخلياً خالصاً، كما لم تكن مجرد ساحة للصراع الإيراني مع خصومه الإقليميين. فقد تحولت، منذ سنواتها الأولى، إلى ميدان مفتوح لتدخلات متعددة، شاركت فيها قوى عربية وإقليمية ودولية، لكل منها حساباتها ومصالحها وأدواتها.
وإذا كان التدخل الإيراني قد تعرض لانتقادات واسعة باعتباره امتداداً لمشروع إقليمي يهدد التوازن العربي، فإن الموضوعية تقتضي توجيه الأسئلة ذاتها إلى أدوار القوى الأخرى التي ساهمت في تسليح فصائل المعارضة وتمويلها، وفي مقدمتها بعض الدول الخليجية.
فهل كان الهدف دعم تطلعات الشعب السوري إلى الحرية والتغيير، أم إسقاط نظام سياسي ارتبط بمحور إقليمي منافس؟ وهل جرى التفكير في مستقبل مؤسسات الدولة السورية، أم انصب الاهتمام على تغيير موازين القوى مهما بلغت التكلفة؟
إن الاعترافات والتصريحات العلنية لمسؤولين سابقين بشأن الدعم العسكري والمالي للمعارضة السورية تفتح باباً مشروعاً للمساءلة السياسية، لكنها لا تعفي الباحث من التمييز بين دعم المعارضة، وتمويل جماعات متطرفة، والمسؤولية المباشرة عن الجرائم التي ارتكبتها أطراف النزاع.
والسؤال هنا ليس من وقف مع الأسد ومن وقف ضده، بل من ساهم في تحويل سوريا إلى ساحة حرب بالوكالة، ومن يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن استمرار استنزاف شعبها وتدمير بنيتها الاقتصادية والاجتماعية؟
فإذا كان إسقاط نظام سياسي يُقدَّم بوصفه انتصاراً استراتيجياً، فهل يُقاس هذا الانتصار بزوال النظام وحده، أم بقدرة الدولة التي أعقبته على استعادة أمنها ووحدتها واستقلال قرارها؟
إن الدول لا تُقاس قوتها بمجرد تغيير حكامها، بل بقدرتها على منع تحول أراضيها إلى مناطق نفوذ تتقاسمها القوى الخارجية.
وهنا تظهر المفارقة: قد تنجح سياسة ما في إضعاف خصم إقليمي، لكنها لا تنجح بالضرورة في بناء نظام إقليمي أكثر أمناً واستقراراً.
الإرهاب بين العقيدة والسلاح والمصلحة السياسية
لعل السؤال الأكثر تعقيداً في المشهد السوري لا يتعلق فقط بهوية الجماعات المسلحة، بل بالجهات التي موّلتها وسلّحتها ووفرت لها الغطاء السياسي والإعلامي.
فمن يصنع الإرهاب؟ وهل تولد التنظيمات المتطرفة من رحم الأفكار وحدها، أم أن الحروب والتدخلات الخارجية وانهيار مؤسسات الدولة توفر البيئة التي تسمح لها بالنمو والانتشار؟
وإذا كانت الجماعات المسلحة العابرة للحدود تشكل تهديداً للسيادة عندما ترتبط بإيران، فكيف ينبغي التعامل مع المقاتلين الأجانب الذين انخرطوا في فصائل أخرى، سواء جاؤوا من الشيشان أو آسيا الوسطى أو غيرهما؟
هل تتغير خطورة السلاح بتغير الجهة الداعمة له؟ وهل تتحول الجماعة من تهديد أمني إلى شريك سياسي بمجرد تبدل التحالفات؟
إن وصف الإرهاب لا ينبغي أن يكون امتيازاً تمنحه الدول لخصومها وتسحبه عن حلفائها، بل يجب أن يستند إلى طبيعة الأفعال المرتكبة، واستهداف المدنيين، والقانون الدولي، بعيداً عن التوظيف السياسي والمذهبي.
وهنا تتجلى إشكالية أعمق: قد تدعم دولة فصيلاً مسلحاً لتحقيق مكسب مرحلي، لكنها لا تستطيع دائماً التحكم في مساره اللاحق أو ضمان عدم تحوله إلى مصدر تهديد لها ولغيرها.
وما شهدته سوريا يطرح سؤالاً عن مسؤولية القوى الخارجية في عسكرة الصراع، مثلما يطرح سؤالاً عن مسؤولية السلطة السابقة والفصائل المتحاربة عن الانتهاكات التي تعرض لها السوريون.
إن مواجهة الإرهاب لا تبدأ بتغيير أسمائه، بل بتجفيف مصادر تمويله، ومنع توظيفه في الصراعات بالوكالة، وإعادة بناء مؤسسات وطنية تحتكر السلاح وتخضع للمساءلة.
اليمن: حماية الأمن أم إعادة توزيع النفوذ؟
إذا انتقلنا من الجغرافيا السورية إلى اليمن، فإن السؤال عن السيادة يتخذ بعداً أكثر تعقيداً. فقد دخل التحالف بقيادة السعودية الحرب اليمنية عام 2015 تحت عنوان دعم الحكومة المعترف بها دولياً ومواجهة تمدد أنصار الله، بينما اتخذ الدور الإماراتي مسارات مختلفة، شملت دعم تشكيلات محلية وقوى جنوبية ذات مشاريع سياسية وأمنية خاصة. لكن بعد سنوات من الحرب، ماذا تحقق للأمن القومي العربي؟ وهل أصبحت الدولة اليمنية أكثر وحدة واستقراراً، أم أن تعدد القوى المسلحة والتدخلات الخارجية ساهم في تعميق الانقسام؟
وفي المقابل، هل يمكن تجاهل الدعم الإيراني لأنصار الله وتأثيره في موازين الصراع؟ وهل يعني تلقي الدعم من طهران أن الحركة فقدت بالضرورة استقلال قرارها السياسي والعسكري؟
إن العلاقة بين الدعم والتبعية ليست علاقة آلية؛ فقد تتقاطع المصالح الاستراتيجية بين طرفين من دون تطابق كامل في العقيدة أو القرار.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين المصالح الإيرانية وحسابات أنصار الله المحلية، كما ينبغي التمييز بين المصالح السعودية والإماراتية التي لم تكن متطابقة دائماً في الساحة اليمنية.
أما باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، فلم تعد مجرد ممرات تجارية، بل تحولت إلى ساحات تتداخل فيها حسابات الأمن البحري والنفوذ العسكري والتجارة الدولية.
فهل كان اليمن ساحة للدفاع عن الأمن القومي العربي، أم تحول إلى ميدان تتنافس فيه المشاريع الإقليمية على حساب الدولة والمجتمع؟
إن السؤال لا يهدف إلى تبرئة طرف وإدانة آخر، بل إلى مساءلة الجميع عن النتائج: وحدة اليمن، وأمن سكانه، واستقلال قراره، وسلامة ممراته البحرية.
إرهاصات مجنون: من يحمي السيادة ومن يتاجر بها؟
في خضم هذه التناقضات، يبدو الأمن القومي العربي مفهوماً تتعدد تعريفاته بتعدد المصالح والتحالفات، حتى بات السؤال عن السيادة أكثر إلحاحاً من الشعارات التي تُرفع باسمها.
فمن يرفض التدخل الإيراني في سوريا مطالب بتفسير موقفه من الوجود الإسرائيلي والتركي، ومن يدين التدخل الخليجي مطالب كذلك بتفسير موقفه من النفوذ الإيراني والروسي. ومن يرفع شعار مقاومة الاحتلال لا يستطيع أن يجعل هذا الشعار مبرراً لإسكات النقد عن سياساته الأخرى.
إن سوريا واليمن وفلسطين ليست ملفات منفصلة في الجغرافيا السياسية، بل ساحات تكشف أزمة أعمق في بنية النظام الإقليمي، حيث تتقدم حسابات النفوذ على بناء الدول، وتتحول السيادة أحياناً إلى شعار انتقائي.
ولعل المفارقة الكبرى أن القوى التي تتحدث عن حماية الاستقرار قد تساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إنتاج أسباب اضطرابه، ثم تعود لتقدم نفسها بوصفها الضامن الوحيد للأمن.
فهل نريد أمناً قومياً عربياً يحمي الدول والشعوب، أم أمناً يحمي موازين النفوذ بين الحكومات والقوى الإقليمية؟
وهل نقبل بتقسيم التدخلات الخارجية إلى مشروعة ومرفوضة وفق هوية المتدخل، أم نحتكم إلى معيار واحد يقوم على القانون الدولي والسيادة الوطنية وحقوق الإنسان؟
ويبقى السؤال الأكثر إزعاجاً: كيف يمكن لمن يعيب تدخل الآخرين أن يتجاهل تدخله هو؟
يا من تعيب وعيبك متشعبُ، وكم فيك من عيب وأنت تعيب!
ولله في خلقه شؤون...
إرهاصات مجنون.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا