تسييس الجينومات واحتكار العروبة: من "شروگية" العراق إلى "جينات" الحوثي في اليمن
بقلم/الكاتب والباحث السياسي
عدنان صگر الخليفه
رئيس إتحاد القبائل العراقية
تُظهر القراءة المتفحصة للخطابات السياسية والإعلامية المتصارعة في المنطقة العربية استخداماً لافتاً لأسلوب "تسييس علم الأحياء" وتصنيع الشائعات الجينية بغرض التسقيط الاجتماعي والسياسي. ومؤخراً، تداول مدونون منشوراً يزعم إجراء فحص حمض نووي لعائلة بدر الدين الحوثي في اليمن عبر فريق ألماني في تسعينيات القرن الماضي، ليخلص إلى ادعاء يطعن في نسبهم ويُعيد أصولهم إلى جينات هندوآرية لا تمت للعرب بصلة. إن هذا الادعاء المزعوم ليس سوى إعادة إنتاج حرفية ذات أبعاد متطابقة لنفس التهمة والسردية التاريخية التي أُلصقت بمجتمعات الوسط والجنوب في العراق، ممن يُسمون بالشروگية، عبر رميهم بفرية الأصول الهندية الوافدة التي أُتي بها لرعاية الجاموس، مما يكشف عن آلية موحدة ومُصنعة لشيطنة الخصوم الأيديولوجيين ونزع عروبتهم وأصالتهم التاريخية.
وتتجلى الانتقائية الفجة والمعيار المزدوج في هذا الخطاب عند مقارنته بالحقائق التاريخية الجلية؛ فقد امتد الوجود العثماني في الأقطار العربية لما يقرب من أربعمئة إلى وخمسئة عام، وتكونت خلاله طبقات راقية وحاكمة تزاوجت وتداخلت في البنية الاجتماعية، وهي أصول وامتدادات معروفة ذات جذور تركية أو بلقانية أو قوقازية، ومع ذلك لا يُطرح حولها أي تساؤل جيني ولا يُسعى لفحصها، بل تُعتبر جزءاً طبيعياً ومحترماً من النسيج الاجتماعي. وفي المقابل، يُغض الطرف تماماً عن هذه الامتدادات التاريخية الواضحة، وتُصنّع بدلاً منها فحوصات وهمية وافتراءات جينية تُسقط حصراً على المجتمعات والأفراد الذين يختلفون راديكالياً أو أيديولوجياً مع القوى المروجة لهذه الشائعات. وعلى الرغم من أصالة وتجذر هذه المجتمعات، سواء في اليمن أو في العراق، في أرضها وجغرافيتها منذ آلاف السنين، يتم تجاوز كل الحقائق التاريخية والواقعية لصالح إشاعة مخبرية الهدف منها تجريد الإنسان البسيط والمخالف الفكري من هويته الوطنية والمواطنية.
إن نقل تهمة الأصول الهندية من جنوب العراق إلى المشهد اليمني يعكس غاية أساسية تتمثل في تسهيل الشيطنة السياسية واحتكار صكوك العروبة؛ فحين يعجز الخطاب التعبوي عن مقارعة الخصم في ميدان الفكر أو إدارة الدولة أو المواطنة الجامعة، يفر فوراً إلى سلاح العرق، فيصوّر الخصم كجسم غريب أو وافد أجنبي لإيهام الرأي العام بأن العروبة النقية هي ملك حصري لون مذهبي أو سياسي محدد. وتتقاطع هذه الاتهامات العرقية مع استغلال طبقي وتاريخي متكرر، حيث يُدعى أبناء هذه المجتمعات البسطاء دائماً للتضحية بدمائهم وأبنائهم ومستقبلهم الاقتصادي والتعليمي في خطوط المواجهة الأولى للدفاع عن الأوطان والثورات، كما جرى في ثورة العشرين بالعراق أو الحروب المتلاحقة، وبمجرد استتباب الأمور تُسلب منهم ثمرة تضحياتهم لصالح نخب تدعي السيادة، وعندما يطالبون بحقوقهم السياسية والشراكة العادلة، تُرفع في وجوههم مقولة الأصول الوافدة لتجريدهم من حقهم المشروع في إدارة مقادير بلادهم.
ومما يقطع بطلان هذه المزاعم ويثبت زيفها، أن القبائل العربية والعراقية تمتلك ذاكرة حية وأعرافاً تاريخية متوارثة تجعلها المرجع الأصيل والأمين لمعرفة أنسابها وأبنائها، بصرامة معرفية تفوق وتستغني تماماً عن تحليلات الحمض النووي حتى وإن صَدَقَت في بعض المواضع؛ ومثال ذلك ما تحتفظ به الذاكرة القبلية في مجتمعاتنا حين تميز بدقة متناهية بين المنبت الأساسي للشجرة الشريفة وبين التداخلات والتحالفات التاريخية عبر مصطلحات ومسميات دقيقة متوارثة مثل "أبناء العَمَلَة"، حيث تُدرج أسماؤهم ضمن الشجرة القبلية الكبرى لحفظ اللحمة والجوار، مع بقاء المعرفة الدقيقة بأصل المنبت محفوظة لدى أبناء القبيلة دون تدليس أو تزييف. فهذا المجهر العشائري الدقيق يبرهن على أن القبيلة لا تحتاج إلى فحوصات مخبرية مزعومة يروج لها مدونون من خلف الشاشات لتعرف أصيلها من دخيلها، بل هي الحارس التاريخي للهوية والأنساب.
إن الادعاءات الجينية والمزاعم المخبرية الموجهة ضد المكونات والمجموعات اليمنية أو العراقية لا تعبر عن حقائق علمية، بل هي تُهم سياسية مُصنّعة تُبرز المعيار المزدوج في قراءة النسب والعروبة؛ فالعروبة ليست صكاً مذهبياً تُوزعه الشائعات، بل هي تاريخ وأرض وانتماء حضاري متجذر لا تلغيه إشاعة فحص جيني ولا تستأثر به أيديولوجية دون أخرى.
التعليقات الأخيرة