news-details
مقالات

الحسابات العارية في جسد الأمة: من حروب الوصاية في اليمن إلى عقيدة الجيوش المؤجرة

 


بقلم/الكاتب والباحث السياسي 
عدنان صگر الخليفه 
رئيس إتحاد القبائل العراقية 

حين يتجرد الفكر السياسي من مساحيق التجميل الدبلوماسية والشعارات الخشبية، ويحتكم إلى ميزان العقل والمنطق وقاعدة الأخلاق الإنسانية الراسخة القائلة بأن ما لا ترضاه لنفسك ليس من حقك أن ترضاه لغيرك، فإن المشهد السياسي في المنطقة العربية يتكشف عن حقائق مريرة طالما غيبها الإعلام الرسمي وواراتها لغة المصالح. ومن أعقد هذه الحقائق وأكثرها دموية، تلك الحرب الدائرة في اليمن منذ أكثر من عقد من الزمان، والتي لا يمكن فهم أبعادها الحقيقية عبر الاكتفاء بالروايات السطحية عن الشرعية والانقلاب، بل بتفكيك البنيان الجيوسياسي والاقتصادي للتدخلات الخارجية، وطبيعة الأطراف المتصارعة على الأرض التي تحولت إلى أدوات في صراع نفوذ عريض.
إن تتبع خيوط المعركة يكشف بوضوح أن ما جرى ويجري في اليمن لم يكن يوماً حرباً دفاعية، بل هو هجوم استئصالي وهندسة متعمدة لإسقاط مراكز القوة الداخلية وتفكيك البنية السياسية والمجتمعية عبر استخدام واجهات سياسية هزيلة لا تمتلك من أمرها شيئاً. فعلى رقعة الميدان، لا تحارب قوى ما تسمى بالشرعية دفاعاً عن سيادة وطنية حقيقية، بل ترتدي عباءتها كغطاء قانوني مؤقت تستخدمه أطراف كالمجلس الانتقالي الجنوبي لتحقيق مشروعه الانفصالي بمعزل عن أي اعتبار لوحدة اليمن، بانتظار ساعة الصفر التي سيعقبها صدام داخلي مرتقب على من يملك الأرض ومقدراتها. وفي المقابل، لم يكن لجوء حركة أنصار الله إلى التحالف الإيراني سوى استجابة حتمية لمنطق البقاء ومواجهة طوق إقليمي وعالمي أراد محق وجودهم، مما يفضح ازدواجية المعايير لدى من يدينون تحالف الحوثي بينما يشرعنون لأنفسهم جلب الجيوش وقوى العالم لتمزيق بلد بأكمله.
ولفهم هذا العجز البنيوي في إدارة المعارك الذاتية، يجب التوقف طويلاً عند العقلية السياسية والعسكرية لدول الخليج التي طالما اعتمدت على استئجار النفوذ العسكري والجيوش العالمية والإقليمية لحماية عروشها ومصالحها، عاجزة يوماً عن خوض معركة بشجاعة أبنائها أو بجهدها الوطني الخالص. هذه العقيدة المستندة إلى تضخيم ترسانات المال وغياب الجرأة الميدانية أعادت إلى الأذهان ذات السيناريو التاريخي الذي تجلى بوضوح في حرب عام 1991؛ حين عجزت تلك الأنظمة عن مواجهة الجيش العراقي، فلجأت إلى تسخير المليارات لشراء ذمم العالم وتجييش الجيوش الدولية والعربية لإسقاطه وتدمير هيبته. لقد كان ذلك الجيش العراقي العظيم -الذي تداعت لإسقاطه وتجريده من سلاحه كل قوى الوصاية- هو ذاته الدرع الحصين الذي سيلت دماء أبطاله دفاعاً عن الأمة العربية وقضاياها المصيرية في سيناء والجولان وجنين، ليكون الجحود والنكران مصير تلك التضحيات عبر استبدالها بجيوش مرتزقة ومأجورة لا تقاتل إلا لمن يدفع المال ويسقط الديون.
إن استمرار هذا النزيف الدموي لأكثر من عشر سنوات في اليمن، وتكديس القواعد والأجندات الأجنبية، يعكس رغبة محمومة في إبقاء المنطقة رهينة للتبعية ومسرحاً لتنفيذ المخططات المرسومة في الغرف المغلقة. غير أن سنن التاريخ والكون ثابتة لا تتبدل، وقاعدة كما تدين تدان ستظل حتمية ماثلة أمام من ظنوا أن بمقدورهم شراء الدماء وأوطان الآخرين دون حساب. إن استباحة الأمة وكسر إرادتها عبر جيوش الإيجار ووكلاء الخارج لن يمضي دون أثمان تاريخية وأخلاقية باهظة، فمن يزرع الفوضى ويستجلب الوصاية لا يُحصي سوى خيبات الهاوية حين تتهاوى أوهام القوة وتستيقظ الشعوب على حقيقة من باعوها ومن دافعوا عن كرامتها بأرواحهم العارية.
18 تشرين الاول 2026

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا