news-details
مقالات

حين يشتري المالُ الإنسان.                       آفة الخدم والعبيد عند أصحاب النفوذ

 

.
للكاتبة الإعلامية ندين نبيل عبدالله أبو صالحه.

في كل مجتمع، هناك فئة لا تُرى، لكنها تنفّذ كل شيء. هم الخدم والسائقون والمرافقون والعمال الذين يعملون عند الأمراء وأصحاب المقامات العالية والنفوذ. لا يملكون قرارهم، ولا يملكون كرامتهم، لأنهم ببساطة باعوها مقابل راتب آخر الشهر، وسكن مجاني، وسيارة، وبقشيش سخي.

المال هنا ليس أجراً مقابل عمل، بل ثمناً للطاعة العمياء.

يصبح الخادم طوع أمر سيده، ينفّذ كل ما يُطلب منه دون سؤال ودون نقاش، حتى لو كان الأمر إهانة لجار، أو تهديداً لإنسان ضعيف، أو لعباً بأعصاب الناس وكرامتهم. وحتى لو كان الثمن أن يسكن غريباً في بيت سيده، بين أهله وزوجته وأولاده، يأكل من أكلهم ويعيش تحت سقفهم، لا لشيء إلا لأن صاحب النفوذ أراد أن يثبت أنه قادر على شراء الإنسان نفسه، لا وقته فقط.

هذه هي الآفة الحقيقية إنسان يتحوّل إلى أداة.

يفقد مبدأه أولاً، ثم إحساسه، ثم إنسانيته. يضحك إذا ضحك سيده، ويغضب إذا غضب، ويظلم إذا أُمر بالظلم، ويبرر لنفسه قائلاً: "أنا عبد مأمور، أكل عيشي هيك". لكن أكل العيش لا يبرر بيع الكرامة، ولا يبرر أن تكون عصا في يد غيرك يضرب بها الناس.

وفي المقابل، صاحب المال والنفوذ يستمتع بهذه السلطة المريضة. لا يكفيه أن يدفع راتباً، بل يريد أن يمتلك الولاء المطلق. يريد خادماً لا يقول "لا"، ولا يفكر، ولا يعترض. يشتريه بفلوسه، ويهينه كل يوم قليلاً، حتى ينسى الخادم أنه إنسان له بيت وله كرامة وله حدود.

إنها حرب صامتة على الكرامة الإنسانية. حرب لا تُستخدم فيها الأسلحة، بل الرواتب والسكن والهدايا والخوف من الطرد. والنتيجة مجتمع فيه سيد لا يُسأل، وعبد لا يجرؤ على الرفض، وناس أبرياء يدفعون الثمن من أعصابهم وأمانهم في بيوتهم.

الكرامة لا تُشترى، ومن باعها مرة، سيبيعها كل مرة.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا