news-details
أخبار مصر

نداء الأزهر الشريف لوقف نزيف الدماء وإعلاء صوت الحكمة على لغة الحروب

 


كتب :أيمن بحر

فى وقت تتصاعد فيه الأزمات وتشتعل فيه بؤر الصراع وتزداد المخاوف على مستقبل المنطقة العربية والإسلامية يبرز صوت الأزهر الشريف باعتباره منارة للعلم والاعتدال وداعيا إلى إعلاء قيمة الإنسان وحقه في الحياة والأمن والاستقرار

إن الدعوة إلى وقف الحروب والاقتتال بين أبناء الأمة الواحدة ليست مجرد كلمات عابرة أو شعارات ترفع في أوقات الأزمات بل هي رسالة إنسانية ودينية وأخلاقية تضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية وتؤكد أن استمرار الصراعات لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار واستنزاف الثروات وتشريد الأبرياء وإهدار فرص التنمية والاستقرار

وتأتي أهمية أي نداء يصدر عن فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف من المكانة الدينية والإنسانية التي يحتلها الأزهر في وجدان ملايين المسلمين حول العالم ومن مسؤوليته التاريخية في نشر ثقافة التسامح والحوار والدعوة إلى الإصلاح بين المتخاصمين وحقن الدماء

إن أمتنا اليوم في حاجة ماسة إلى أصوات العقل والحكمة وإلى مبادرات جادة تفتح أبواب الحوار أمام الدول والقوى المتنازعة وتمنح الحلول السياسية والدبلوماسية فرصة حقيقية قبل أن تتسع دوائر الصراع وتصبح الخسائر أكبر من قدرة الشعوب على الاحتمال

وقف الحروب مسؤولية تاريخية

إن استمرار الاقتتال بين أبناء الأمة الواحدة يمثل جرحا عميقا في جسد المنطقة العربية والإسلامية فخلف كل حرب عائلات فقدت أحباءها وأطفال حرموا من الأمان وشعوب أصبحت تواجه الخوف والنزوح والفقر وتراجع الخدمات الأساسية

وخلف كل مدينة تتعرض للدمار تاريخ من الذكريات ومستقبل من الأحلام التي قد تتبدد تحت وطأة الصراعات وخلف كل إنسان يسقط ضحية للحرب حكاية لا تستطيع الأرقام وحدها أن تعبر عن حجم الألم الذي تتركه في نفوس أسرته ومجتمعه

ولا تقف خسائر الحروب عند حدود الأرواح والممتلكات بل تمتد إلى الاقتصاد والتعليم والصحة والاستقرار الاجتماعي وتترك آثارا نفسية وإنسانية قد تستمر لأجيال طويلة

ومن هنا فإن وقف القتال والعمل على تسوية النزاعات بالوسائل السلمية يجب أن يكون أولوية لكل من يملك القدرة على التأثير في مسار الأحداث

لجنة وساطة عربية وإسلامية خطوة نحو الحل

إن من أهم الخطوات التي يمكن أن تسهم في احتواء الأزمات تفعيل الوساطة الجادة وتشكيل آليات للحوار تضم شخصيات عربية وإسلامية مشهودا لها بالحكمة والخبرة والقدرة على تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة

ويمكن لمثل هذه الجهود أن تفتح مسارا للتفاوض يضمن احترام سيادة الدول ويحفظ حقوق الشعوب ويعالج أسباب الخلافات بدلا من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها المدمرة

كما أن نجاح الوساطة يتطلب إرادة سياسية صادقة واستعدادا متبادلا للاستماع إلى مطالب الأطراف المختلفة والالتزام بالاتفاقات التي يتم التوصل إليها مع توفير الضمانات اللازمة لتنفيذها

فالسلام الحقيقي لا يقوم على فرض الإرادة بالقوة ولا على تجاهل الحقوق المشروعة وإنما يقوم على العدل واحترام السيادة والالتزام بالقانون والعمل على بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة

القرآن الكريم يدعو إلى الإصلاح وحقن الدماء

لقد وضع الإسلام مبدأ الإصلاح بين المتخاصمين في منزلة عظيمة وجعل حقن الدماء من القيم التي لا يجوز التهاون بها

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم

وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا

وتحمل هذه الآية الكريمة رسالة واضحة تؤكد أن التعامل مع الاقتتال لا يكون بتوسيع دائرة العنف أو تأجيج الكراهية وإنما بالسعي إلى الإصلاح وإيقاف النزيف وإعادة الأمور إلى طريق العدل والحق

كما يقول الله تعالى

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا

إن هذه المعاني القرآنية تضع أمام المسلمين مسؤولية أخلاقية ودينية في حماية الأرواح وتجنب الفتن والعمل على تجاوز الخلافات بالوسائل التي تحفظ الحقوق وتمنع انهيار المجتمعات

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من خطورة الاقتتال بين المسلمين وجاء في الحديث الشريف

إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار

وهو تحذير عظيم من خطورة سفك الدماء ومن العواقب المترتبة على الانجرار إلى صراعات لا تراعي حرمة النفس الإنسانية

القوة الحقيقية في حماية الأوطان وصناعة السلام

إن القوة لا تقاس فقط بما تمتلكه الدول من أسلحة أو بما تحققه في ساحات المواجهة بل تقاس أيضا بقدرتها على حماية شعوبها والحفاظ على استقرارها وصون مقدراتها ومنع انزلاقها إلى حروب تستنزف حاضرها ومستقبلها

والدولة القوية هي التي تستطيع الدفاع عن سيادتها وحقوقها وفي الوقت نفسه تمتلك الحكمة اللازمة لاختيار التوقيت المناسب للحوار والتفاوض وتغليب الحلول التي تحقق مصالح شعبها وتحفظ أمنها القومي

كما أن السلام ليس استسلاما ولا يعني التفريط في الحقوق وإنما هو طريق مسؤول يتطلب الشجاعة والوعي والقدرة على التمييز بين التنازل غير المقبول وبين التسوية العادلة التي تمنع المزيد من الخسائر

ومن هنا فإن الدعوة إلى وقف الحروب لا تعني تجاهل أسباب النزاع أو القفز فوق الحقوق وإنما تعني البحث عن حلول جادة تنهي المعاناة وتمنع اتساع دائرة الخطر وتعيد للشعوب حقها في العيش بأمان وكرامة

الأزهر الشريف ومسؤولية الكلمة في زمن الفتن

تتجلى أهمية المؤسسات الدينية الكبرى في أوقات الأزمات عندما يصبح صوت الحكمة ضرورة وليس ترفا وعندما تكون الكلمة المسؤولة قادرة على تهدئة النفوس وفتح نوافذ الأمل أمام الشعوب التي أنهكتها الصراعات

ويمثل الأزهر الشريف بما له من تاريخ علمي وديني ومكانة عالمية مؤسسة مؤهلة للمساهمة في نشر ثقافة الحوار والتسامح ورفض العنف والعمل على تقريب وجهات النظر بين المتخاصمين

لكن نجاح أي مبادرة للسلام يظل مرهونا باستجابة الأطراف المعنية وبوجود إرادة حقيقية لإنهاء الصراعات وتقديم مصلحة الشعوب على الحسابات الضيقة

فالمؤسسات الدينية تستطيع أن تدعو وتحفز وتفتح أبواب التواصل بينما تقع المسؤولية السياسية المباشرة على عاتق أصحاب القرار الذين يملكون القدرة على وقف العمليات القتالية والدخول في مفاوضات جادة

الشعوب العربية والإسلامية تستحق مستقبلا أفضل

إن الشعوب العربية والإسلامية لا تحتاج إلى مزيد من مشاهد الدمار ولا إلى خطابات الكراهية والانقسام بل تحتاج إلى الأمن وفرص العمل والتعليم الجيد والرعاية الصحية والاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة ببناء مستقبلها

كما تحتاج إلى إعلام مسؤول يميز بين الخبر المؤكد والشائعة ويحترم عقول المواطنين ولا يسهم في تأجيج النزاعات أو نشر معلومات غير موثقة

وفي هذه المرحلة الدقيقة يصبح من واجب الجميع دعم المبادرات الجادة التي تستهدف وقف القتال وحماية المدنيين وتيسير وصول المساعدات الإنسانية والعمل من أجل تسويات عادلة ومستدامة

إن وحدة الصف لا تتحقق بمجرد ترديد الشعارات وإنما تبدأ من احترام الإنسان والابتعاد عن التحريض والاستعداد للحوار والاعتراف بأن الخلافات مهما بلغت حدتها لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإهدار الأرواح وتدمير الأوطان

هل تنتصر الحكمة قبل فوات الأوان

يبقى السؤال الأهم أمام الدول المعنية وأصحاب القرار هل تتحول الدعوات إلى السلام إلى خطوات عملية تضع حدا لمعاناة الأبرياء وتفتح طريقا حقيقيا للتفاوض أم تستمر دوائر الصراع في استنزاف المنطقة وإهدار فرص الاستقرار

إن اللحظة الراهنة تتطلب تحركا مسؤولا وإرادة صادقة وتعاونا عربيا وإسلاميا يقوم على احترام سيادة الدول وحماية المدنيين والالتزام بالحلول السلمية العادلة

فكل يوم تتوقف فيه الحرب قد يعني إنقاذ أرواح جديدة وكل خطوة جادة نحو المصالحة قد تمنع كارثة قادمة وكل موقف مسؤول يضع مصلحة الشعوب فوق حسابات الصراع يمكن أن يصنع فارقا حقيقيا في مستقبل المنطقة

إن نداء السلام يجب ألا يظل حبيس البيانات والخطب بل ينبغي أن يجد طريقه إلى طاولات التفاوض ومراكز صنع القرار وأن يتحول إلى إجراءات ملموسة تحمي الإنسان وتصون الأوطان

وفي النهاية تبقى الحقيقة التي لا تتغير أن الدماء أغلى من المصالح الضيقة وأن الأوطان لا تبنى بالكراهية وأن السلام العادل هو الطريق الذي يمنح الشعوب فرصة للحياة والعمل والأمل

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ مصر وسائر الدول العربية والإسلامية وأن يجنب شعوبها الفتن والحروب وأن يحقن دماء الأبرياء وأن يوفق أصحاب القرار إلى ما فيه الخير والعدل والاستقرار

فهل يستجيب الجميع لصوت الحكمة قبل أن تتضاعف الخسائر

وهل تكون المرحلة المقبلة بداية حقيقية لوقف النزيف وفتح أبواب المصالحة

إن الأمل في السلام لا يموت ما دامت هناك إرادة صادقة لإنقاذ الإنسان وما دام صوت العقل قادرا على الوصول إلى أصحاب القرار

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا