ارهاصات مجنون الخطوط الحمراء لمصر وإسرائيل والتوازن الإقليمي
د.طالب الشوكة
يشهد المشهد الإقليمي تفاعلات معقدة وحساسة، تتقاطع فيها الحسابات العسكرية والأمنية مع الأبعاد السياسية والاقتصادية والمخاوف المتعلقة بالاستقرار العربي. فالدعم المصري المتجدد لأمن الخليج والسعودية غالباً ما يرتبط بمصالح اقتصادية واستراتيجية متبادلة، تشمل حزم الدعم المالي والاستثمارات وضمان إمدادات الطاقة، إضافة إلى تنسيق المواقف التي تسهم في دعم الاستقرار المالي والنقدي المصري.
تعد القاهرة أن أمن البحر الأحمر واستقرار الأراضي السعودية خط أحمر، نظراً للتأثير المباشر لأي توتر في باب المندب وجنوب البحر الأحمر على حركة الملاحة العالمية وإيرادات قناة السويس، التي تعد شرياناً رئيسياً للاقتصاد المصري ومصدراً مهماً للنقد الأجنبي والأمن الاقتصادي.
في المقابل، تحرص القيادة المصرية على ضبط إيقاع أي تدخل، بحيث يظل في إطار حفظ الأمن الاستراتيجي والدفاع المشترك، مع تفادي الانزلاق إلى مستنقع حرب برية مفتوحة أو استنزاف طويل الأمد لا يخدم أولويات الداخل المصري.
تتعامل القاهرة مع التهديدات باعتبارها خطراً مباشراً على إيرادات قناة السويس، ويعكس طلب السيسي التفويض البرلماني ترجمة قانونية ودستورية لمبدأ الحماية الإقليمية المتبادلة مع السعودية، لإرسال رسالة مفادها أن الاستهداف الصاروخي أو الهجمات البحرية على السعودية يمثلان استهدافاً للأمن القومي المصري.
إن الاستعجال في طلب التفويض يستهدف إظهار الجاهزية العسكرية والسرعة في اتخاذ القرار أمام القوى الإقليمية، كإيران وأنصار الله، لمنع أي تصعيد إضافي في البحر الأحمر، كما يتيح للقيادة المصرية استخدام أوراق ضغط لوجستية، أو حماية الممرات البحرية، أو تقديم إسناد عسكري نوعي إذا ما تحولت الأزمة إلى تهديد شامل لحركة الملاحة وسلاسل الإمداد.
أما إسرائيل، فترى في جماعة أنصار الله جزءاً من محور المقاومة الإقليمي المرتبط بإيران، وأن أي إضعاف لهذا الطرف يصب في مصلحتها الاستراتيجية والأمنية، بغض النظر عن التقارير أو التسريبات الاستخباراتية التي تتحدث عن تنسيق تقني أو محاولات لفرض مظلات حماية جوية أو إقليمية.
وتظل الرياض متحفظة أو رافضة لأي انخراط إسرائيلي مباشر أو معلن في التحالفات أو الملفات العربية الداخلية، مثل اليمن، نظراً للحساسية السياسية والشعبية البالغة لمثل هذه الشراكات.
ترى إسرائيل أن حركة أنصار الله الحوثيين أصبحت جزءاً فاعلاً ومؤثراً في جبهة الإسناد الإيرانية، بقدرتها على استخدام المسيّرات والصواريخ الباليستية لضرب العمق الإسرائيلي والملاحة الدولية، وأن توفير منظومات الدفاع الجوي والدعم الاستخباري المباشر عبر القيادة المركزية الأمريكية سنتكوم يستهدف تحويل الخليج والبحر الأحمر إلى منطقة صد موحدة ضد قدرات الحوثيين. كما تسعى إسرائيل إلى تحويل الدعم الأمني إلى مدخل لفرض معادلة أعمق، واستغلال الحاجة الدفاعية للسعودية لتخفيف شروط الرياض المتعلقة بإقامة الدولة الفلسطينية، أو الحصول على تنازلات في المسار الفلسطيني مقابل المظلة الأمنية الإسرائيلية.
وتُعتبر ألوية العمالقة السلفية من القوى الميدانية الأكثر تنظيماً وانضباطاً ، وتتميز بالقدرة العقائدية والقتالية على مواجهة أنصار الله في المعارك البرية والميادين المفتوحة.
وتتميز بفاعلية ميدانية في مناطق تمركزها جنوباً وغرباً، إلا أن حسم المعركة في الشمال وصنعاء يتطلب مظلة سياسية إقليمية ودولية واسعة، وهو ما تفضل الأطراف الإقليمية الابتعاد عنه لصالح مسارات خفض التصعيد أو التفاهمات السياسية متى ما أمكن ذلك.
إن التوافق الإماراتي السعودي يهدف ميدانياً إلى لجم التمدد الحوثي، لكنه يستجيب في الوقت نفسه لأجندة إقليمية أوسع، إذ تسعى الإمارات إلى تثبيت حلفائها، المجلس الانتقالي الجنوبي والعمالقة، لضمان النفوذ في الساحل الغربي والموانئ الاستراتيجية والجزر وممرات التجارة الدولية.
والتمويل السعودي بغطاء إماراتي، أو العكس، يعكس محاولة لإنشاء توازن، بحيث توفر السعودية الغطاء المالي والدبلوماسي، بينما تتكفل الإمارات بالربط الميداني واللوجستي على الأرض.
لقد أثبتت السنوات الماضية من الصراع أن جماعة أنصار الله تمتلك عقيدة قتالية صلبة وبنية عسكرية غير تقليدية، تشمل الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية وحرب الجبال والأنفاق، مما يجعل عملية دحرها عسكرياً أمراً بالغ التعقيد، ويتطلب تكاليف باهظة وحرب استنزاف طويلة.
أما الشعوب العربية، فتنظر بحالة من القلق الشديد والرفض الواسع إلى مسار النزاعات البينية والحروب بالوكالة التي تستنزف مقدرات الأمة، وتعمق الأزمات الإنسانية والمعيشية في دول مثل اليمن وسوريا ولبنان وغيرها.
وهناك إدراك شعبي متزايد بأن الصراعات تُدار أحياناً بأجندات إقليمية ودولية تسعى إلى تكريس الانقسامات الطائفية والمناطقية والإثنية، وتحويل الدول العربية إلى كانتونات متناحرة تفتقر إلى سيادتها واستقرارها.
هذا الواقع يخلق فجوة متسعة بين طموحات الشارع العربي الساعي إلى التنمية والوحدة، وبين الواقع السياسي والعسكري المأزوم.
التعليقات الأخيرة