news-details
مقالات

من هنا نبدأ ... لا تنتظروا رحيلي لتعرفوا قيمتي… ولا مرضي لتتذكروا وجودي لماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن نفقده؟

 


بقلم د.م. مدحت محمد يوسف
21 أكتوبر 2026

«مات فلان» … «رحل فلان» …

ما إن نسمع هذه الكلمات حتى تنهال عبارات النعي وتتسابق كلمات الرثاء وتفيض الألسنة بالدعاء له بالرحمة والمغفرة. وفجأة يبدأ الجميع في الحديث عن أخلاقه وفضائله ومواقفه الطيبة وأعماله وإنجازاته. ونتذكر كم كان إنسانًا عظيمًا وصاحب فضل وأثر في حياة من حوله. ويتسابق الجميع إلى مواساة أهله وأحبائه والتخفيف عنهم واستحضار ذكرياته ومحاسنه.

وهذا بلا شك أمر جميل ونبيل يعكس قيم الوفاء والتراحم وأصالة العلاقات الإنسانية. بل إن ذكر محاسن الراحلين والدعاء لهم ومواساة ذويهم من أسمى صور الوفاء التي ينبغي أن نحافظ عليها.

ولكن السؤال الذي يشغلني: لماذا ننتظر حتى يرحل الإنسان لنكتشف قيمته؟ وأين كانت كل هذه المشاعر والكلمات وهو حي يعيش بيننا؟

لماذا لا نتسابق إلى إسعاده كما نتسابق إلى نعيه؟ ولماذا لا نُظهر له محبتنا وتقديرنا كما نظهرهما بعد رحيله؟ ولماذا لا نخبره بما له من فضل ومكانة في قلوبنا وهو قادر على سماعنا والشعور بمحبتنا؟

والأمر لا يتوقف عند الرحيل.

«فلان مريض» …

وفجأة نتذكره ونسأل عنه ونتواصل معه ونتسابق إلى زيارته والدعاء له بالشفاء. وهذا أيضًا سلوك إنساني كريم نعتز به.

ولكن لماذا لم نسأل عنه قبل مرضه؟ ولماذا لم نتذكره وهو في كامل صحته؟ ولماذا ننتظر أن يضعفه الألم حتى يشعر باهتمامنا؟

هل أصبح المرض مناسبة للسؤال والرحيل موعدًا للاعتراف بالفضل؟

ولنتأمل حياتنا داخل الأسرة.

قد يعيش الأب عمره كله يعطي ويضحي ويتحمل المسؤولية ويؤمّن لأبنائه سبل الحياة دون أن ينتظر مقابلًا. وقد تفني الأم سنوات عمرها في الرعاية والتربية والعطاء. وقد يكون الأخ سندًا لأخيه والقريب عونًا لقريبه وصاحب الفضل سببًا في نجاح إنسان أو تغيير مسار حياته.

ومع ذلك قد تمر السنوات دون أن يسمع هؤلاء كلمة امتنان أو يشعروا بحقيقة مكانتهم في قلوب من حولهم.

ثم يأتي الرحيل…

فنقول كان أبي عظيمًا وكانت أمي نبع الحنان وكان أخي سندي وكان قريبي صاحب مواقف وكان فلان صاحب فضل لا يُنسى.

ولماذا لم نقل لهم ذلك وهم بيننا؟

لماذا لا نُشعر الأب بقيمته وهو حي؟ ولا نُسعد الأم بتقدير تضحياتها وهي بيننا؟ ولا نعترف بفضل الأخ والقريب والصديق وصاحب المعروف وهم قادرون على سماع كلماتنا؟

إن ذكر فضائلهم بعد الرحيل أمر محمود ومن الوفاء. ولكن الأجمل أن يعرفوا مكانتهم قبل الرحيل وأن يشعروا بمحبتنا وتقديرنا وهم يعيشون معنا.

فليس من الإنصاف أن نمنح الإنسان بعد غيابه من الكلمات ما حرمناه منه طوال حضوره.

والمشهد نفسه يتكرر في حياتنا العملية.

موظف قضى سنوات طويلة يعمل ويجتهد ويخلص ويحقق الإنجازات وربما ضحّى بصحته ووقته وراحته من أجل نجاح مؤسسته. وحين يبلغ سن التقاعد نقيم له حفلًا ونعدد إنجازاته ونتحدث عن إخلاصه وعطائه ونمنحه شهادة تقدير.

وهذا أمر حضاري جميل يستحق التشجيع.

ولكن لماذا انتظرنا حتى انتهت سنوات خدمته؟ ولماذا لم نحتفل بإنجازاته وهو يعمل؟ ولماذا لم نمنحه التقدير في الوقت الذي كان يحتاج فيه إلى التشجيع؟

إن التقدير أثناء العطاء يصنع عطاءً جديدًا أما التقدير عند الوداع فيحفظ ذكرى العطاء. ونحن نحتاج إلى الاثنين معًا.

إننا بحاجة إلى مراجعة ثقافتنا في التعامل مع بعضنا البعض.

فكم من إنسان يعيش بيننا يحمل همومًا لا نعرفها ويخوض معارك لا نراها ويقدم الخير بصمت وربما ينتظر كلمة طيبة أو سؤالًا صادقًا أو شعورًا بأن وجوده مهم في حياة الآخرين.

كلنا نحتاج إلى التقدير… وكلنا نحتاج إلى الآخر.

لا يوجد إنسان مهما بلغت قوته أو مكانته أو علمه أو ثروته يستطيع الاستغناء عن مشاعر المحبة والاهتمام والتقدير.

فالأب يحتاج إلى تقدير أبنائه كما يحتاجون إلى عطائه. والأم تحتاج إلى محبتهم كما يحتاجون إلى حنانها. والأخ يحتاج إلى أخيه والصديق يحتاج إلى صديقه والمعلم يحتاج إلى تقدير طلابه كما يحتاجون إلى علمه.

بل إن من اعتدنا أن نراه قويًا قد يكون أكثر الناس احتياجًا إلى كلمة طيبة. ومن اعتدنا أن نراه يعطي الجميع قد يكون في أمسّ الحاجة إلى من يسأل عنه.

فلا تجعلوا قوة الإنسان سببًا لإهماله ولا اعتياد عطائه سببًا لنسيان فضله.

وليس شرطًا أن يكون الإنسان صاحب منصب أو شهرة أو ثروة حتى يستحق الاهتمام والتقدير.

فقد يكون أعظم الناس أثرًا إنسانًا بسيطًا يخفف معاناة الآخرين أو يقضي حوائجهم أو يزرع الطمأنينة في نفوسهم دون أن ينتظر مقابلًا.

إن كل إنسان بيننا له قيمة وله دور وله أثر. ولا ينبغي أن ننتظر غيابه حتى ندرك أهمية وجوده.

وهنا أرى أننا لا نحتاج فقط إلى تغيير سلوك فردي بل إلى بناء ثقافة إنسانية ومجتمعية جديدة تجعل التقدير جزءًا من حياتنا اليومية.

ثقافة تبدأ من الأسرة حين يتعلم الأبناء التعبير عن امتنانهم لآبائهم وأمهاتهم. وتمتد إلى المدرسة حين نقدر المعلم والطالب وصاحب الجهد. وتترسخ في مؤسسات العمل حين يصبح الاعتراف بالإنجاز حافزًا للاستمرار وليس مجرد مراسم للتقاعد أو الوداع.

فالتقدير ليس شهادة تعلق على الجدران ولا كلمات تقال في المناسبات وإنما شعور يصل إلى الإنسان في الوقت الذي يحتاج إليه ويجعله يدرك أن وجوده له معنى وأن عطاءه مرئي وأن أثره محل احترام.

ولعل أكثر ما يؤلم في علاقاتنا الإنسانية أننا أحيانًا نؤجل أجمل مشاعرنا حتى يفقد أصحابها القدرة على سماعها.

نؤجل السؤال حتى المرض ونؤجل الشكر حتى التقاعد ونؤجل الاعتراف بالفضل حتى الغياب ونؤجل التعبير عن المحبة حتى يصبح اللقاء مستحيلًا.

ثم نقف أمام الذكريات ونتمنى لو عاد بنا الزمن لنقول كلمة أو نقدم اعتذارًا أو نعبر عن امتنان أو نسعد قلبًا لم ننتبه إلى حاجته إلينا.

لماذا نجيد رثاء الغائبين ولا نجيد إسعاد الحاضرين؟

إنني لا أدعو إلى المبالغة في المدح أو المجاملة أو الثناء بغير حق وإنما أدعو إلى الإنصاف في المشاعر والاعتراف بالفضل وإعطاء كل إنسان حقه من الاهتمام والاحترام والتقدير وهو بيننا.

فكلمة طيبة قد تعيد الأمل إلى قلب وسؤال صادق قد يخفف وحدة إنسان واعتراف بالفضل قد يمنح صاحبه قوة للاستمرار.

ونحن جميعًا نحتاج إلى ذلك.

وأخيرًا …

إذا سمعنا «مات فلان» فلندعُ له بالرحمة ولنذكر محاسنه ولنواسِ أهله.

وإذا سمعنا «فلان مريض» فلنسأل عنه ولنعده ولنقف إلى جواره.

وإذا بلغ إنسان نهاية خدمته فلنكرّمه ولنحفظ له فضله.

ولكن لماذا لا نفعل بعض ذلك قبل أن تحضر هذه المناسبات؟

لنسأل عن أحبابنا وهم أصحاء. ولنقدّر آباءنا وأمهاتنا وإخوتنا وأقاربنا وأصحاب الفضل وهم بيننا. ولنحتفِ بمن ينجح وهو يواصل مسيرته. ولنساند من يجتهد وهو لا يزال قادرًا على العطاء.

فالأعمار لا تُقاس فقط بعدد السنوات التي نعيشها بل بما نتركه من أعمال وآثار وبما نصنعه من خير وسعادة في حياة الآخرين.

لا تنتظروا أن يرحل الإنسان لتكتشفوا قيمة وجوده ولا أن يمرض لتتذكروا السؤال عنه ولا أن ينتهي عطاؤه لتبدأوا في تكريمه.

أعطوا الأحياء بعضًا من الوفاء الذي تمنحونه للراحلين وبعضًا من الاهتمام الذي تمنحونه للمرضى وبعضًا من التقدير الذي تمنحونه للمودّعين.

فكلنا نحتاج إلى بعضنا وكلنا يستحق أن يشعر بقيمته وهو حي بين من يحب.

وما أجمل أن نترك أثرًا طيبًا بعد رحيلنا… ولكن الأجمل أن نصنع السعادة في قلوب بعضنا ونحن لا نزال معًا.

د.م. مدحت محمد يوسف
خطى الوعي – بناء الإنسان وقيادة المعرفة وصناعة المستقبل

خطى الوعي DrEng Medhat Youssef Moischool

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا