عندما يصبح 'العمق الاستراتيجي السعودي هدفاً لضرب الاقتصاد
بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي
حين نتحدث عن استهداف العمق الاستراتيجي السعودي، فإننا لا نتحدث عن ضربة عسكرية تقليدية على الحدود، بل عن استراتيجية مختلفة تماماً تهدف إلى ضرب القلب النابض للاقتصاد السعودي في عقر داره بعيداً عن ساحات المواجهة التقليدية، الحوثيون لم يعودوا مجرد جماعة مسلحة تسيطر على شمال اليمن، بل تحولوا إلى قوة قادرة على تهديد البنية التحتية الحيوية للسعودية في عمق أراضيها، من منشآت أرامكو في ينبع والظهران إلى مطار الملك خالد الدولي في الرياض، ومن حقول النفط في الشيبة إلى القواعد الجوية في خميس مشيط، هذه الاستراتيجية لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج تراكم قدرات صاروخية وطائرات مسيرة طويلة المدى مدعومة بخبرة إيرانية واضحة، مكنت الحوثيين من تجاوز حدود الجغرافيا وضرب أهداف كانت تُعتبر لسنوات خارج نطاق تهديدهم المباشر.
جوهر هذه الاستراتيجية يقوم على معادلة بسيطة لكنها مدمرة، السعودية لديها الكثير لتخسره والحوثيون لديهم القليل ليخسروه، ففي حين تمتلك السعودية بنية تحتية نفطية هائلة تمتد على مساحات شاسعة ومطارات دولية ومدناً كبرى، فإن الحوثيين يعملون من جبال وعرة ومناطق محدودة الموارد، ما يجعل أي رد سعودي تقليدي غير قادر على ردعهم بنفس الكلفة، الحوثيون أدركوا هذه المفارقة واستغلوها بذكاء، فبدلاً من مواجهة الجيش السعودي في معارك مباشرة اختاروا استهداف نقاط الضعف الاقتصادية والنفسية، منشآت النفط التي تمثل عصب الاقتصاد السعودي والمطارات التي تمثل واجهة الدولة الحديثة والمدن الكبرى التي تمثل رمزية السيادة، في أكتوبر 2026 وحده أعلن الحوثيون تنفيذ ست عمليات في ثمانٍ وأربعين ساعة استهدفت منشآت أرامكو في ينبع وحقل الشيبة ومطار الملك خالد ومطار أبها وقاعدة الملك خالد الجوية، في تصعيد غير مسبوق يعكس تصميماً على إبقاء السعودية في حالة استنزاف دائم.
الأخطر في هذه الاستراتيجية هو توقيتها وسياقها، فبعد اندلاع الحرب على إيران في فبراير 2026 وإغلاق مضيق هرمز فعلياً أمام حركة الناقلات، أصبح خط الأنابيب الشرقي الغربي الذي يربط حقول النفط السعودية بميناء ينبع على البحر الأحمر هو الشريان الوحيد الذي ينقذ الاقتصاد السعودي من الاختناق، هذا الخط الذي كان ينقل نحو أربعة ملايين برميل يومياً أي ما يعادل أربعة بالمئة من الإمدادات العالمية تحول فجأة إلى الهدف الأهم، فضربته الطائرات المسيرة في سبتمبر وأجبرت الرياض على إغلاقه مؤقتاً، الحوثيون لم يكتفوا بذلك بل تقدموا على الأرض في الساحل الغربي لليمن حتى وصلوا إلى جزيرة ميون عند مضيق باب المندب ليهددوا بذلك الممر المائي الثاني الذي تعتمد عليه السعودية بعد هرمز، وهكذا وجدت المملكة نفسها محاصرة بين مضيقين بينما يضرب الحوثيون العمق من الداخل في تنسيق استراتيجي يكشف عن فهم عميق لهشاشة النظام الأمني السعودي.
الرد السعودي على هذه الاستراتيجية كشف عن حجم المأزق، فالسعودية التي تنفق عشرات المليارات سنوياً على الدفاع وتمتلك أنظمة باتريوت وثاد متطورة تجد نفسها مضطرة لحماية ألف ومئتي كيلومتر من الأنابيب ومدن كبرى ومطارات دولية في آن واحد، بينما يحتاج المهاجم فقط إلى اختيار هدف واحد، وصواريخ الاعتراض التي تسقط فوق الرياض وينبع لا تحمي فقط السعودية بل تحمي إمدادات الطاقة التي يعتمد عليها العالم بأسره، ومع ذلك فإن مخزونات الاعتراض قد استُنزفت والإنتاج العالمي لا يستطيع تعويضها بين عشية وضحاها، الأثقل من ذلك هو الكلفة الاقتصادية، فشركات الطيران الدولية علقت رحلاتها إلى المنطقة بعد هجمات المطارات، والسعودية ألغت شحنات نفطية لعملاء أوروبيين بعد تعطل البنية التحتية، وسعر برنت تجاوز المئة دولار مع علاوة مخاطر جيوسياسية تزيد على عشرين دولاراً للبرميل يدفعها المستهلكون في كل أنحاء العالم.
ما يفعله الحوثيون إذن ليس مجرد هجمات انتقامية بل استراتيجية استنزاف ممنهجة تهدف إلى إجبار السعودية على دفع ثمن باهظ لأي استمرار في الحرب اليمنية وإلى إظهار أن العمق الاستراتيجي السعودي لم يعد حصناً منيعاً بل هدفاً مفتوحاً، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس هل ستتوقف هذه الهجمات بل إلى أي مدى يمكن للسعودية أن تتحمل استنزافاً مزدوجاً من الخارج عبر مضيقين مهددين ومن الداخل عبر عمق أصبح هو نفسه ساحة معركة
التعليقات الأخيرة