التعليم الفني
ابو العز المشوادي
ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن التعليم الجامعي
هل يُعقل أن نكون جميعًا أطباء ومهندسين ومعلمين وصيادلة وعلماء ذرة؟
وهل تستطيع المجتمعات أن تستمر وتنهض إذا اتجه أبناؤها جميعًا إلى التخصصات النظرية والأكاديمية وأهملت المهن الفنية والحرفية التي تقوم عليها تفاصيل الحياة اليومية؟
إن المجتمع المتوازن لا يحتاج إلى أصحاب العقول التي تخطط وتبحث وتبتكر فحسب بل يحتاج أيضًا إلى أصحاب الأيدي الماهرة التي تنفّذ وتُتقن وتُنتج. فلا قيمة لمخطط هندسي رائع إذا لم يجد من يُحسن تنفيذه ولا جدوى من أحدث التقنيات إذا لم يتوافر الفني القادر على تشغيلها وصيانتها وإصلاح أعطالها.
إن النجار والكهربائي والسباك وفني التكييف والميكانيكي وغيرهم ليسوا مجرد أصحاب مهن تقليدية بل هم ركائز أساسية في استقرار المجتمع واستمرار الحياة فيه.
تأملوا احتياجاتنا اليومية كم مرة نحتاج إلى كهربائي لإصلاح عطل أو سباك لمعالجة تسرب، أو فني لتصليح جهاز أو ميكانيكي لإعادة مركبة إلى العمل .
هذه الاحتياجات ليست استثنائية بل تتكرر كل يوم ولا يمكن لأي مجتمع الاستغناء عنها مهما بلغ من التقدم العلمي والتكنولوجي
ومن ثقافة الشهادة إلى ثقافة الكفاءة
لقد ترسخت في بعض مجتمعاتنا نظرة اجتماعية تجعل الشهادة الجامعية معيارًا للنجاح والمكانة، وكأن من لم يلتحق بالجامعة قد أخفق في مستقبله، بصرف النظر عن قدراته وميوله ومهاراته.
وهذه نظرة تحتاج إلى مراجعة جادة؛ فالنجاح ليس قالبًا واحدًا، والقدرات البشرية ليست متطابقة، وليس من الحكمة أن ندفع جميع أبنائنا نحو مسار واحد ثم نتساءل عن نقص الفنيين والمهنيين في أسواق العمل.
إن احترام المهن الفنية يبدأ من الأسرة والمدرسة، ويمتد إلى الإعلام ومؤسسات الدولة. وينبغي أن نربي أبناءنا على أن قيمة الإنسان لا تُقاس باسم شهادته، بل بعلمه وأمانته وإتقانه وما يقدمه لمجتمعه.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»، وهو حديث مشهور يُروى عن عائشة رضي الله عنها، لكن أهل الحديث ضعّفوا إسناده. ومع ذلك، فإن معنى إتقان العمل تؤيده نصوص شرعية ثابتة في الحث على الإحسان والإحكام، وهو مبدأ ينبغي أن يكون أساسًا في جميع المهن والتخصصات.
لا نريد تعليمًا فنيًا تقليديًا بل صناعة حديثة قائمة على العلم
إن الدعوة إلى الاهتمام بالتعليم الفني لا تعني الاكتفاء بتعليم الحرف بأساليبها القديمة ولا تخريج عمالة تؤدي مهام محدودة تتكرر دون تطوير. بل نريد تعليمًا فنيًا حديثًا يجمع بين المهارة العملية والمعرفة العلمية والتكنولوجيا المتقدمة.
نريد كهربائيًا يفهم أنظمة الطاقة الحديثة والتحكم الذكي والطاقة الشمسية.
ونريد سباكًا مدربًا على أنظمة المياه الحديثة وتقنيات كشف التسرب، وترشيد الاستهلاك. ونريد نجارًا يجيد استخدام الآلات الرقمية والتصميم بالحاسوب وفني تكييف ملمًا بأنظمة التبريد الحديثة وكفاءة الطاقة، وميكانيكيًا قادرًا على التعامل مع السيارات الكهربائية والأنظمة الإلكترونية المعقدة.
وهنا يتحول التعليم الفني من مجرد تدريب على حرفة إلى مسار علمي وتكنولوجي يواكب تطورات العصر ويرفع جودة الإنتاج ويقلل الأعطال والهدر ويعزز قدرة البلاد على الاعتماد على كفاءاتها الوطنية.
التعليم الفني استثمار في الاقتصاد والأمن المجتمعي
إن الدول التي تسعى إلى تحقيق التنمية المستدامة لا تنظر إلى التعليم الفني بوصفه خيارًا ثانويًا بل باعتباره أحد المسارات الأساسية لتأهيل القوى العاملة وتلبية احتياجات الاقتصاد.
فكلما امتلك المجتمع فنيين مؤهلين انخفض اعتماده على استقدام المهارات من الخارج وتحسنت قدرته على صيانة منشآته ومرافقه وازدادت فرص الشباب في تأسيس مشروعاتهم الخاصة وتوفير فرص عمل لغيرهم.
ولذلك، فإن الاستثمار في التعليم الفني ليس إنفاقًا على التدريب وحده بل استثمار في الإنتاجية واستقرار سوق العمل وريادة الأعمال والقدرة على مواجهة الأزمات.
ماذا نحتاج لتحقيق هذه النهضة؟
نحتاج إلى إعادة بناء منظومة التعليم الفني على أسس واضحة، تبدأ من تطوير المناهج بالتعاون مع سوق العمل، وإنشاء ورش تدريب مجهزة بأحدث التقنيات وتأهيل معلمين ومدربين يجمعون بين المعرفة النظرية والخبرة العملية.
كما نحتاج إلى شراكات حقيقية بين المدارس والمعاهد الفنية والشركات والمصانع بحيث يتخرج الطالب وهو يمتلك مهارات قابلة للتطبيق لا مجرد شهادة تثبت اجتيازه مرحلة دراسية.
ومن الضروري أيضًا توفير مسارات للتطور المهني تسمح للفني المتميز بالحصول على شهادات تخصصية أعلى وتطوير مهاراته والوصول إلى مواقع الإشراف والإدارة بل واستكمال دراسته الجامعية إذا رغب واستوفى شروطها.
ولا بد من تحسين الأجور وظروف العمل ومعايير السلامة ومكافحة الغش في الخدمات الفنية ووضع معايير واضحة للترخيص المهني وضمان الجودة حتى يشعر المجتمع بالثقة في الفني المؤهل ويحصل العامل الماهر على التقدير الذي يستحقه .
نهضة الأوطان تحتاج إلى الجميع
إننا لا ننتقص من قيمة الطبيب أو المهندس أو المعلم أو الصيدلي حين ندعو إلى الاهتمام بالتعليم الفني بل نؤكد أن كل تخصص يكمل الآخر وأن المجتمع لا يستطيع أن يستغني عن أحدهما لصالح الآخر.
فالأمم لا تُبنى بالشهادات وحدها ولا تنهض بالأمنيات والخطط المكتوبة وإنما تنهض بتكامل العلم والعمل، والفكر والإنتاج، والتخطيط والتنفيذ.
نريد طبيبًا يعالج ومهندسًا يخطط، ومعلمًا يربي، وعالمًا يبتكر، وفنيًا يتقن وصانعًا ينتج.
نريد مجتمعًا يحترم كل مهنة شريفة ويمنح كل إنسان الفرصة المناسبة لقدراته وميوله، ويحول التعليم من سباق للحصول على الشهادات إلى منظومة حقيقية لبناء الإنسان وخدمة الوطن.
فهل آن الأوان أن نعيد النظر في فلسفة التعليم لدينا وأن نجعل التعليم الفني شريكًا أصيلًا في نهضة المجتمع لا مسارًا يُدفع إليه من لم يجد طريقًا إلى الجامعة؟
إن الحاجة إلى هذا التحول لم تعد ترفًا فكريًا بل أصبحت ضرورة تفرضها متطلبات الحياة الحديثة وتحديات الاقتصاد ومستقبل الأجيال القادمة .
التعليقات الأخيرة