news-details
مقالات

الاتفاق الدفاعي السعودي السوري وتغير قواعد اللعبة الاقليمية

 


بقلم الدكتور. احمد صفوت السنباطي 

جوهر هذه الاتفاقية لا يكمن في بنودها، بل في الإشارات السياسية التي تحملها، من حيث التوقيت، تأتي بعد أسابيع قليلة من إعلان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في حوار المنامة أن سوريا تدرس الانضمام إلى "تحالف مكة" للدفاع المشترك الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان ، ويعني مبدأ الدفاع الجماعي في هذا التحالف أن أي هجوم على أي دولة عضو يُعتبر هجوماً على جميع الأعضاء، على غرار المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي، وإذا انضمت سوريا فعلاً، فستنتقل من دولة كانت تُعتبر منذ فترة طويلة "رأس جسر" لإيران في المشرق العربي، إلى دائرة الأمن الخليجي بقيادة السعودية، وهذا في حد ذاته يشكل ضربة استراتيجية لإيران، لأن سوريا كانت على مدى عقود الحلقة الأساسية في ما يسمى "الهلال الشيعي"، وحتى لو كانت سوريا اليوم منهكة وغير قادرة على تقديم قدرات عسكرية كبيرة، فإن انحيازها السياسي وحده كفيل بتغيير موازين القوى الإقليمية.

أما بالنسبة لمصر والعالم العربي، فإن هذه الاتفاقية تحمل دلالات معقدة، فمن زاوية، تعزيز السعودية لموقعها الأمني في المشرق، من خلال استيعاب سوريا، يرفع مكانة الرياض كضامن أمني إقليمي، وقد يوفر لمصر شريكاً إقليمياً أكثر استقراراً في مواجهة التهديدات المشتركة، لكن من زاوية أخرى، فإن قدرة سوريا على المساهمة فعلياً في الأمن الخليجي مشكوك فيها، فالجيش السوري لا يزال في مرحلة إعادة البناء، والبلاد تواجه تحديات داخلية هائلة، كما أن تصريحات المسؤولين السوريين ركزت على أن "أمن الخليج جزء من أمن سوريا"، لكنها لم تتعهد صراحة بإرسال قوات للمشاركة في القتال ، وهذا يعني أن الاتفاقية أقرب إلى إعلان سياسي منها إلى تحالف عسكري عملي، وقيمتها الحقيقية تكمن في تغيير التوقعات، وليس في تغيير القدرات.

لكن ما يستحق المتابعة حقاً هو تداعيات هذه الاتفاقية على العلاقات السعودية-الإسرائيلية، فمنذ اندلاع الحرب في غزة، تجمدت عملية التطبيع بين السعودية وإسرائيل فعلياً، وأصبحت الرياض أكثر حذراً من أي خطوة قد تُفهم على أنها تضحية بالقضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه، تعمل السعودية على بناء "شبكة أمان" لا تعتمد على الولايات المتحدة وإسرائيل فحسب، بل تضم تركيا وباكستان وسوريا، وهذا النهج "الشرق أوسطي أولاً" يعني أن الرياض لم تعد تضع البيض كله في سلة واشنطن، بل تسعى إلى بناء نظام أمني إقليمي متعدد الأطراف يمكنها قيادته بنفسها، وبالنسبة لإسرائيل، فإن هذا يعني أن السعودية قد تتخذ قرارات لا تتوافق بالضرورة مع التصورات الأمنية الإسرائيلية في المستقبل، خاصة فيما يتعلق بسوريا.

وبالنسبة لإيران، فإن توقيع هذه الاتفاقية يشكل انتكاسة استراتيجية واضحة، فسوريا كانت على مدى عقود نقطة ارتكاز إيران في المشرق، وخط الإمداد الرئيسي لحزب الله، وقاعدة استراتيجية للرد على إسرائيل، والآن، تقترب دمشق من الرياض، ويبدو أن جزءاً من النفوذ الإيراني في سوريا قد تم استبداله بالنفوذ السعودي، وبطبيعة الحال، فإن هذا التحول لم يكتمل بعد، فإيران لا تزال تمتلك خلايا نفوذ في سوريا، كما أن العلاقات بين سوريا والسعودية لا تزال في بدايتها، لكن الاتجاه واضح سوريا تتجه نحو الانضمام إلى المعسكر العربي السني بقيادة السعودية، وليس إلى محور الممانعة بقيادة إيران.

وفي النهاية، تعيد هذه الاتفاقية الدفاعية تذكيرنا بحقيقة في الشرق الأوسط، لا يوجد تحالف دائم، بل مصالح دائمة فقط سوريا التي كانت بالأمس حليفة لإيران، تقترب اليوم من السعودية، والسعودية التي كانت تعتمد بالأمس على الضمانات الأمريكية، تبني اليوم تحالفاتها الخاصة، وإيران التي كانت بالأمس اللاعب المهيمن في المشرق، تواجه اليوم حلقة محاصرة تتقلص باستمرار، ولا يزال السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه الاتفاقية قادرة على إعادة تشكيل قواعد اللعبة الإقليمية فعلياً، أم أنها مجرد فصل جديد من المسرح السياسي، حيث يعلن الجميع عن تحالفات جديدة، لكن التوازن الحقيقي للقوى لا يتغير في جوهره.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا