news-details
مقالات

لصوص البركة



بقلم: ماجدة حسن الصباغ
هل شعرتَ يومًا بثِقَلٍ مفاجئ جاثمٍ فوق صدرك وكتفيك، وصداعٍ يجتاح رأسك، وانطفاءٍ مباغت لشغفك بعد مكالمة هاتفية عبرة أو جلسة ودية؟ جلسةٍ مع شخص لم يفعل فيها سوى الشكوى والتذمر! إن الشكوى طلبًا للنصيحة، أو رغبةً في التخفيف عن النفس خلال الأوقات العصيبة، أمر إنساني طبيعي تحكمه المودة والمؤازرة، أما أن تتحول العلاقة إلى منصة دائمة لتصدير المظلومية والندب، دون رغبة حقيقية في التغيير أو تقدير لمن يستمع ويساند، فهنا لا نتحدث عن فضفضة عابرة؛ بل عن استنزاف نفسي خفي ومتكرر، يمارسه أشخاص بارعون في ارتداء ثوب الحرمان.
إن هؤلاء ليسوا بالضرورة أشخاصًا يفتقرون إلى الذكاء أو الوعي، بل قد يكون بعضهم على قدر كبير من الدهاء؛ يستمعون إلى نصائحك بدقة، ويتعلمون من خبراتك وخططك، ويستفيدون من أفكارك وعلاقاتك ودعمك، ثم يمضون في حياتهم مستعينين بكل ما قدمته لهم. لكن الوجه الآخر للمفارقة يظهر حين تجدهم لا يتوقفون عن ملاحقتك بسيل من الشكاوى المأساوية عن التعب، ومرض الأولاد، وضيق الرزق، وسواد الدنيا، وانعدام الحظ، رغم أن واقعهم قد يحمل من النعم والاستقرار ما لا يتناسب أبدًا مع الصورة القاتمة التي يصرون على تصديرها. وهنا تكمن المشكلة؛ فليس كل من يشكو مستنزِفًا، وليس كل من يمر بأزمة متعمدًا لنشر السلبية، لكن الخطر يبدأ حين تتحول الشكوى إلى أسلوب حياة وسمت دائم، ويصبح الآخر مطالبًا بالاستماع والعطاء وتقديم الحلول دون نهاية، بينما لا يجد في المقابل تقديرًا أو مراعاة لمشاعره واحتياجاته.
ومع تكرار هذا النمط، قد تخرج من حواراتك معهم مثقلًا بالهموم، فاقدًا للرغبة في إنجاز مهامك، وكأنك حملت فوق كتفيك أعباءً لم تكن تخصك من الأساس. وهنا لا نتحدث عن انتقال غامض للطاقة أو تعطيل غيبي للرزق، بل عن أثر نفسي حقيقي وعلمي للعلاقات التي تستهلك مشاعر الإنسان ووقته وتفكيره، وتحرمه من سلامه الداخلي. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كانت هذه العلاقات ترهق أصحابها إلى هذا الحد، فلماذا يستمر بعض الأشخاص في التمسك بها؟ قد يكمن السر في أنهم وجدوا في طيبة قلبك، وصفاء نيتك، واستعدادك الدائم للمساعدة، مساحة آمنة للحصول على الدعم دون تحمل مسؤولية متبادلة؛ فأنت بالنسبة إليهم شخص يسمع، ويحتوي، ويقدم النصيحة، وربما يفتح لهم أبوابًا من الفرص والخبرات التي يصعب الوصول إليها بمفردهم.
ومع مرور الوقت، قد يتحول عطاؤك في نظرهم من فضل تقدمه بمحبة إلى حق مكتسب يتوقعونه منك في كل وقت، فإذا حاولت وضع حدود أو تقليل مساحة وجودهم في حياتك، قد يواجهون قرارك بالاعتراض أو الغضب أو إشعارك بالذنب، وكأن حماية نفسك أصبحت إساءة موجهة إليهم! وهنا عليك أن تدرك أن طيبة القلب لا تعني إلغاء الذات، وأن مساندة الآخرين لا تعني أن تتحول حياتك إلى ساحة مفتوحة لاستقبال أوجاعهم ومشكلاتهم دون قيود، فالعلاقة السليمة لا تقوم على الأخذ المستمر من طرف، والعطاء المستمر من طرف آخر، بل على التبادل والتقدير والرحمة المشتركة.إن الوجه الأكثر إيلامًا في بعض هذه العلاقات لا يظهر دائمًا في المواجهة، بل قد ينكشف من وراء الظهر، والمفارقة المريرة أن الأذى قد يأتي أحيانًا من أشخاص كنت لهم سندًا، ووقفت بجانبهم في أزماتهم، وشاركتهم وقتك وجهدك، ثم فوجئت بأنهم يستكثرون عليك ما تملكه من نعم أو يقللون من قيمة ما حققته. فحين تضيق بك الدنيا لبرهة، أو تمر بلحظة إرهاق أو حزن طبيعية كأي إنسان، قد تسمع منهم كلمات لا تتناسب أبدًا مع ما قدمته لهم من دعم ومساندة، فلا يرون فيك إنسانًا يشقى ويسهر ويكافح، بل يختزلون كل ما وصلت إليه في صورة شخص محظوظ امتلك كل شيء! يتناقلون الكلمات بنبرة تحمل استنكارًا أو غيرة: "هو متضايق ليه؟ وعلامَ يحزن؟ ما دنيته كلها حلوة وماشية، ومستقر في حياته، وأولاده ناجحون وحواليه، وشكله وهيئته في أحسن حال... هو عايز إيه تاني؟".
وهذا التشويه لا يعكس بالضرورة حقيقة حياتك، بقدر ما يكشف عن عجز البعض عن رؤية ما وراء النعم من تعب وصبر وتضحيات؛ فهم يرون النتيجة ولا يعرفون الطريق، يشاهدون الاستقرار ولا يدركون ثمن الوصول إليه، ويستكثرون عليك حتى حقك الإنساني في التعب أو الحزن العابر، وكأن امتلاك بعض النعم يسلبك حقك في الشكوى أو الضعف. والأشد قسوة أن يصدر هذا الموقف ممن ممدت لهم يدك يومًا، وساندتهم حين احتاجوا إليك، ثم لم يجدوا في غيابك ما يمنعهم من التقليل منك أو تشويه صورتك. وحين تنجح أخيرًا في اتخاذ خطوة للوراء لحماية ما تبقى من روحك ووقتك، قد تكتشف أن بعض الأشخاص لا يتقبلون بسهولة فقدان المساحة التي اعتادوا الحصول عليها في حياتك، فالقرب القديم جعلهم يعرفون تفاصيل كثيرة عنك؛ خططك، طموحاتك، ومكامن قوتك، وبعض ما تمر به من ظروف، وقد تتحول هذه المعرفة، لدى من لا يحترم الحدود، إلى وسيلة للتدخل أو المقارنة أو تداول أخبارك دون إذنك.
وهذا الحذر من كشف النعم والخطط أمام من لا يرجو لك الخير، ليس وليد اليوم أو مجرد نصيحة نفسية حديثة، بل هو منهج رباني راسخ وضعه القرآن الكريم في قصة نبي الله يوسف عليه السلام، فحين رأى الرؤيا وبشرى النبوة والرفعة، استشعر والده نبي الله يعقوب ببصيرته وخبرته بالبشر خطورة إعلان هذه النعمة المبكرة، فجاء التوجيه الإلهي حاسماً وقاطعاً في قوله تعالى: {قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}. لقد أدرك سيدنا يعقوب أن النفوس البشرية – حتى وإن كانت لأقرب الناس كالإخوة – قد تضعف أمام بريق النعم، وأن إظهار التميز قد يفتح أبواب الغيرة والكيد، فإذا كان هذا التوجيه قد صدر في حق إخوة يوسف، فكيف بنا في واقعنا المعاصر مع عابرين ولصوص بركة يتغذون على تتبع تفاصيل حياتنا؟وقد يستمر بعضهم في متابعة أخبارك بعد الابتعاد، ويتتبعون خطواتك، ويقارنون بين حياتهم وحياتك، وربما يفسرون نجاحك أو سعادتك باعتبارهما رسالة موجهة إليهم، لكن ليس كل سؤال عن أخبارك حسدًا، ولا كل متابعة دليلًا على سوء النية؛ فالعبرة د

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا