سحر الكرسي.. حين يصبح المنصب غنيمة والكفاءة ضحية
دكتوره/ مريم علام
مدرس القانون المدني ومدير وحدة رعاية الوافدين بكلية التربية.
في دهاليز المؤسسات، حيث يفترض أن تكون الكفاءة هي المعيار، والإنجاز هو جواز المرور إلى مواقع المسؤولية، تدور أحيانا معارك من نوع آخر ، معارك لا تحسم بالخبرات، ولا تقاس بحجم العطاء، وإنما تدار بحسابات النفوذ، وشبكات المصالح، والتحالفات، والولاءات، والقدرة على البقاء بالقرب من دوائر السلطة.
إنها لعبة الكراسي القيادية تلك اللعبة التي تبدأ أحيانا بطموح مشروع، لكنها قد تتحول إلى صراع شرس على مقعد، وكأن المنصب غنيمة حرب، وليس تكليفا ومسؤولية وأمانة.
فما الذي يحدث عندما يصبح الكرسي أهم من المؤسسة؟
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية!
ولعل صفحات التاريخ تحمل شواهد قاسية على أن العبث باستقلال المؤسسات، وتغليب الولاءات السياسية والشخصية على الكفاءة، لم يكن يوما أمرا عابرا أو بلا ثمن.
ففي ألمانيا عام 1933، صدر قانون إعادة تنظيم الخدمة المدنية، الذي استخدمه النظام النازي لإقصاء اليهود والمعارضين السياسيين من الوظائف العامة، وامتد أثره إلى الجامعات والهيئات البحثية ووزارات الدولة، فدفع أساتذة وباحثون وموظفون أكفاء ثمن انتماءاتهم وهوياتهم، لا ضعف قدراتهم. وفي فرنسا عام 1968، تحولت جامعة السوربون إلى ساحة مواجهة كبرى، بعدما تصاعدت الاحتجاجات الطلابية واحتلت الحركة الطلابية مباني الجامعة، في مشهد كشف حجم الأزمة بين الإدارة الجامعية والسلطة والمجتمع.
نعم قد تختلف الأزمنة والظروف، لكن الدرس التاريخي يظل حاضرا..
فحين تتحول المؤسسات إلى أدوات في صراعات النفوذ، وحين تتقدم حسابات السيطرة على استقلال القرار، لا يكون الخاسر مجرد شخص لم يصل إلى مقعد، بل قد تكون المؤسسة نفسها، وسمعتها، ورسالتها، ومستقبل الأجيال التي تعتمد عليها.
فالتاريخ لا يحاسب أصحاب الكراسي على مدة بقائهم فوقها، بل يسجل ما فعلوه بالمؤسسات التي اؤتمنوا على قيادتها.
يظهر هنا سحر الكرسي.. ولماذا يصعب التخلي عنه؟
ليس كل من يسعى إلى منصب قيادي يسعى بالضرورة إلى السلطة من أجل السلطة، فالمؤسسات تحتاج إلى قيادات طموحة، وأصحاب رؤى قادرين على التطوير والتغيير. لكن الأزمة تبدأ عندما يتحول الطموح إلى هوس، ويصبح الاحتفاظ بالمقعد هدفا يتقدم على مصلحة المؤسسة، وتتحول المسؤولية من وسيلة لخدمة الآخرين إلى مساحة لإثبات النفوذ وتوسيع دوائر التأثير..
لماذا تتحول لحظة انتهاء التكليف لدى البعض إلى أزمة شخصية ؟!
الإجابة قد تكون في أن بعضهم لا يرى في الكرسي مجرد موقع إداري، بل يراه مصدرا للمكانة، وبوابة للنفوذ ووسيلة لاكتساب الاعتبار الاجتماعي والمهني.
وهنا تكمن الخطورة.. فالقائد الحقيقي يستمد قيمته من أثره في المؤسسة بينما قد يستمد آخرون قيمتهم من الكرسي الذي يجلسون عليه لا أكثر..
فحين تدخل الكفاءة إلى ساحة المعركة!
يظهر السؤال الأكثر إيلاما.. ماذا يحدث عندما تتنافس الكفاءة مع النفوذ؟
ماذا يحدث عندما يمتلك أحد المرشحين رؤية واضحة، وخبرة حقيقية، وسجلا من الإنجازات، بينما يمتلك آخر شبكة علاقات أوسع، وقدرة أكبر على صناعة التحالفات؟
هل تنتصر الكفاءة دائما؟ بالطبع لا، فقد تشهد بعض الممارسات المؤسسية اختلالا في معايير الاختيار، وتتراجع الموضوعية أمام اعتبارات لا علاقة لها بالقدرة على القيادة.
وهنا لا تكون الخسارة لشخص لم يحصل على منصب، بل للمؤسسة بأكملها لأن إقصاء الكفاءات لا يقتل طموح الأفراد فحسب بل يرسل رسالة سلبية لكل من يؤمن بأن الاجتهاد والإنجاز هما طريق التقدم.
و-الأخطر- من ذلك أن تتحول الكفاءة إلى مصدر إزعاج لبعض أصحاب النفوذ .. فالشخص المستقل الكفء صاحب الرأي الذي لا يجيد لعبة المجاملات ولا يقبل أن يكون تابعا قد يجد نفسه خارج حسابات المشهد منبوذا، رغم ما يمتلكه من إمكانات.
هنا نصل إلى واحدة من أكثر المفارقات غرابة في عالم المناصب: الاعتقاد بأن الجلوس على الكرسي يمنح صاحبه قيمة استثنائية!
لكن الحقيقة أن المنصب قد يمنح سلطة إدارية، وقد يفرض احتراما بروتوكوليا، لكنه لا يستطيع أن يصنع قائدا من شخص يفتقر إلى الحكمة و الكفاءه، أو أن يمنح صاحب القرار رؤية لا يمتلكها.
فالهيبة الحقيقية لا تأتي من توقيع على قرار، ولا من مكتب واسع، ولا من ألقاب تسبق الأسماء، وإنما تبنى بالعدل، والنزاهة، والقدرة على الاستماع، واحترام الاختلاف، والإنصاف بين العاملين...
فهل نحن أمام سباق لاختيار الأفضل، أم أمام لعبة لإبقاء الأقوى نفوذا؟
إن الإجابة يجب ألا تكون في الشعارات وإنما في الممارسات والنتائج.
فالقيادة ليست امتلاك سلطة وإصدار الأوامر، بل امتلاك شجاعة اتخاذ القرار العادل. وليست القدرة على إحاطة النفس بالمؤيدين، بل القدرة على احتضان المختلفين، وليست مهارة الوصول إلى المنصب، بل كفاءة النهوض بالمؤسسة بعد الوصول إليه.
وفي النهاية سيبقى السؤال الأهم: عندما يسقط سحر الكرسي ماذا يتبقى من صاحبه؟
هل يتبقى إنجاز يذكر، وأشخاص تعلموا منه ومؤسسة أصبحت أقوى ؟!
أم لا يتبقى سوى ذكريات منصب انتهى، وتحالفات تبددت، وأسماء كانت تملأ المشهد ثم غابت بمجرد مغادرة المقعد؟
فالكرسي لا يصنع قائدا، والمنصب لا يمنح صاحبه قيمة لم يمتلكها، والسلطة لا تخلد أحدا.
لأن الكرسي في النهاية مجرد مقعد، أما القيادة فهي أثر ومسؤولية وتاريخ..
التعليقات الأخيرة