news-details
مقالات

شبح جديد يطارد الشيطان البرتقالي ... عبدول في مواجهة ترامب

 


بقلم/أشرف الجعفري 

لم تكن الانتخابات الأمريكية الأخيرة مجرد منافسة تقليدية بين مرشحين على مقعد في مجلس الشيوخ، بل حملت في نتائجها رسائل سياسية تتجاوز حدود ولاية ميتشيغان، لتضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام مشهد جديد ربما لم يكن يتوقعه. فقد نجح عبدول السعيد، ابن المهاجرين المصريين، في انتزاع مقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح أول مسلم يفوز بعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي، في انتصار حمل أبعاداً سياسية واجتماعية وتاريخية لافتة.
لكن ما يجعل هذا الفوز أكثر إثارة ليس فقط هوية صاحبه أو خلفيته المصرية، وإنما طبيعة المعركة التي خاضها، وحجم المواجهة التي وجد نفسه في قلبها مع ترامب وحلفائه. فالرئيس الأمريكي لم يكتفِ بمساندة منافسه الجمهوري، بل دخل بنفسه على خط المواجهة، مستخدماً خطاباً حاداً في التحذير من انتخاب السعيد، ووصلت الهجمات إلى التشكيك في ولائه وانتمائه، وإطلاق اتهامات خطيرة بحقه، وهو ما نفاه السعيد بصورة واضحة.
وجاءت النتيجة لتمنح السعيد مقعداً في مجلس الشيوخ، وتضعه في موقع سياسي يسمح له بمواجهة السياسات التي انتقدها خلال حملته الانتخابية، وعلى رأسها سياسات ترامب الاقتصادية، والرسوم الجمركية، والدعم الأمريكي لإسرائيل، فضلاً عن قضايا الرعاية الصحية والعدالة الاجتماعية.
ولعل المفارقة اللافتة أن الرجل الذي حاول ترامب وحلفاؤه تقديمه للناخب الأمريكي باعتباره خطراً على البلاد، خرج من صناديق الاقتراع حاملاً تفويضاً انتخابياً من مواطني ولاية أمريكية مهمة. وهنا تتجاوز المسألة شخص عبدول السعيد لتطرح سؤالاً أعمق: هل بدأت قطاعات من المجتمع الأمريكي ترفض خطاب التخويف من الاختلاف الديني والثقافي، وتبحث عن بدائل سياسية أكثر ارتباطاً بمشكلاتها اليومية؟
إن فوز السعيد لا يمكن فصله عن المشهد الأوسع لانتخابات التجديد النصفي لعام 2026، التي شهدت مكاسب كبيرة للحزب الديمقراطي واستعادته السيطرة على مجلسي الكونجرس، في نتيجة مثلت ضربة سياسية واضحة للحزب الجمهوري ولحلفاء ترامب. وقد كشفت النتائج عن استياء قطاعات من الناخبين بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة والسياسات الاقتصادية والحرب مع إيران، وهي عوامل جعلت الانتخابات استفتاءً غير مباشر على أداء الإدارة الأمريكية.
أما ترامب، الذي اعتاد أن يكون مركز المشهد السياسي وأن يفرض إيقاعه على خصومه، فقد أصبح أمام معادلة جديدة: معارضة ديمقراطية تملك أدوات تشريعية ورقابية داخل الكونجرس، ووجوه سياسية صاعدة لا تخشى الدخول في مواجهة علنية معه. ويأتي عبدول السعيد في مقدمة هذه الوجوه، بما يحمله فوزه من رمزية خاصة تتعلق بالتنوع الديني والسياسي داخل الولايات المتحدة.
ومع ذلك، فإن الطريق أمام السعيد لن يكون مفروشاً بالورود؛ فعضوية مجلس الشيوخ ليست مجرد منصة للخطابات والمواقف، وإنما مسؤولية تتطلب تحويل الوعود الانتخابية إلى تشريعات ومواقف عملية، كما أن مواقفه من السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وإسرائيل ستظل موضع جدل واسع داخل المؤسسة السياسية الأمريكية وخارجها.
وقد تكون أهمية هذه التجربة في أنها تفتح الباب أمام سؤال المستقبل: هل يستطيع السعيد أن يتحول من مرشح نجح في مواجهة حملة سياسية شرسة إلى شخصية مؤثرة في إعادة تشكيل المعارضة لترامب؟ أم أن تحديات العمل داخل واشنطن ستفرض عليه حسابات أكثر تعقيداً من حسابات الحملات الانتخابية؟
في النهاية، لم يعد المشهد مجرد مواجهة بين رجلين، أحدهما في البيت الأبيض والآخر يدخل مجلس الشيوخ، بل أصبح اختباراً لطبيعة الديمقراطية الأمريكية، وقدرتها على استيعاب الاختلاف، وحدود النفوذ الرئاسي أمام إرادة الناخبين والمؤسسات الدستورية.
لقد دخل عبدول السعيد المشهد السياسي الأمريكي من بوابة ميشيغان، لكنه حمل معه أسئلة تتجاوز حدودها بكثير. وربما يكون هذا هو الشبح السياسي الجديد الذي يطارد «الشيطان البرتقالي»؛ ليس شخصاً واحداً فحسب، بل حالة سياسية تعكس اتساع مساحة الاعتراض على سياساته، وتضع أمامه خصوماً يمتلكون الآن أدوات دستورية لمحاسبته ومواجهة توجهاته

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا