البنية الفكرية لمغالطات التشكيك في التراث وحماية الأمن القومي والمجتمعي
بقلم: أشرف عبد الحميد
تتعرض المجتمعات العربية والإسلامية—وفي مقدمتها المجتمع المصري—لموجات متصاعدة من الطروحات التشكيكية المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي يقود بعضها أفراد يفتقرون إلى التخصص العلمي والأدوات المنهجية، مثل المستشار أحمد عبده ماهر. تتناول هذه الطروحات نقد التراث الإسلامي، والطعن في حجية السنة النبوية المطهرة، والتشكيك في شرعية الفتوحات الإسلامية وعصر الخلفاء الراشدين، ناهيك عن التشويه المباشر لمفاهيم العبادات والقيم الروحية.
تكمن خطورة هذه الظاهرة في كونها تجاوزت مساجلات الفكر والتجديد الفقهي المشروعة، لتتحول إلى أداة تفكيك للذاكرة التاريخية والهوية الوطنية، مما يخلق حالة من السيولة الفكرية، والاستقطاب الحاد، واستنزاف الثقة بالمؤسسات الوطنية والدينية الرسمية.
إن القراءة الوطنية والسيادية الواعية تفرض مواجهة هذا الخطاب التشكيكي بأسلوب علمي حازم وشديد اللهجة، لتفكيك مغالطاته المنهجية وبيان خطره على الأمن الفكري والسلام المجتمعي، دون الانزلاق إلى المناكفات الشخصية أو التجريح الفردي.
أولاً: إسقاط أدوات البحث وتوظيف مغالطة التخصص
إن أولى الهنات المنهجية التي تقع فيها المنشورات المتداولة للمستشار أحمد عبده ماهر عبر شبكات التواصل الاجتماعي هي غياب أدوات الاجتهاد والبحث الشرعي والتاريخي الرصين. يتجلى ذلك في الخلط الواضح بين الصفة القانونية وممارسات المحاماة وبين مقتضيات البحث الفقهي والأصولي؛ فكون الشخص محامياً بالنقض يمنحه خبرة في القانون الوضعي، لكنه لا يؤهله تلقائياً لامتلاك مناهج علوم اللغة، والأصول، ومصطلح الحديث، والعلل والتاريخ الإسلامي التي تُبنى عليها الاجتهادات التفسيرية والفقهية.
كما يعتمد هذا الخطاب على السطحية والانتقائية غير العلمية، بتتبع الروايات الشاذة أو المنكرة واقتطاعها من سياقها التاريخي لبناء أحكام عامة ومطلقة، مع الرفض الكامل للتواتر والقطعيات الشرعية والآثار المتضافرة. إن الاجتهاد الفكري والتجديد في علوم الأمة لا يتحققان بكتابة منشورات مرسلة على شبكات التواصل، بل يتطلبان إحاطة شاملة ببيئة النص، وعلوم اللغة، والأصول، ومناهج النقد التاريخي وعلم العلل والدراية.
ثانياً: تفكيك الركائز الأساسية للشبهات المتداولة
تتأسس الشبهات المتداولة على مغالطة الإسقاط التاريخي، وذلك بفرض المعايير والقوانين المعاصرة للقرن الحادي والعشرين على أحداث وقائع القرن السابع الميلادي، وهو ما يمثل زللاً منهجياً فادحاً وتجاهلاً لقواعد الصراع في العالم القديم.
فمن ناحية السياق الجيوسياسي، لم تكن الفتوحات الإسلامية حروب نهب أو اعتداء كما تُصوّر المنشورات، بل كانت استراتيجية دفاعية وتأمينية سيادية لحماية تخوم الدولة الوليدة وكسر الهيمنة الإمبراطورية البيزنطية والساسانية التي كانت تصادر حريات الاعتقاد وتستنزف الشعوب. كذلك لم يكن قتال حروب الردة في عهد الصديق أبي بكر قسراً على جباية مالية، بل كان إجراءً سيادياً لمواجهة أول تمرد أمني واقتصادي استهدف كسر العقد الاجتماعي للدولة ومؤسساتها التكافلية.
أما فيما يتعلق بالتشكيك في حجية السنة النبوية الشريفة والدعوة إلى الاكتفاء بالقرآن بزعم مناقضته للنص التنزيل، فإن ذلك يؤدي عملياً إلى تفكيك التطبيقات العملية للشريعة من كيفية الصلاة، وتفاصيل الزكاة، والمناسك، والتي نُقلت بالتواتر والبيان النبوي. كما أن علماء الأمة أسسوا عبر علم المصطلح والرجال أدق منهج توثيقي نقدي في التاريخ الإنساني لغربلة المرويات وتمحيصها، ورد ما يخالف صريح القرآن، وهو ما ينسف دعوى الطعن العشوائي في الموروث الحديثي.
ثالثاً: التداعيات على السلام المجتمعي والأمن الفكري
ينعكس إغراق المنصات الرقمية بهذه الطروحات التشكيكية السطحية سلباً على الاستقرار الداخلي للدولة والهوية الوطنية؛ حيث يتجسد التهديد الأكبر في الطعن المستمر في الصدر الأول والرموز المؤسسية للتاريخ الإسلامي، مما يعمل على تفكيك الذاكرة الجمعية وخلق حالة من الاغتراب الثقافي لدى الشباب وتفريغ الوعي القومي والوطني، ليترك فراغاً فكرياً يُسهل استغلاله من قبل دوائر التطرف أو التغريب.
علاوة على ذلك، يمتد الأثر إلى تدمير السلم الأهلي والمجتمعي من خلال تحويل الخلاف الفقهي والنقدي إلى مادة شو إعلامي ومنشورات صادمة، مما يشعل حالة من الاستقطاب الحاد ويغذي الفكر المتطرف المضاد. كما يشكل نشر الشبهات المنقحة والضعيفة عبر المنصات الرقمية المفتوحة تهديداً مباشراً للأمن الفكري، إذ يُوجد بيئة خصبة للشائعات وتوهين ثقة الشارع بالمؤسسات الدينية والرسمية وفي مقدمتها الأزهر الشريف.
رابعاً: التوصيات الإستراتيجية وآليات المواجهة
لمواجهة هذه الظاهرة وصيانة الفضاء الفكري والأمن القومي، تبرز الحاجة إلى تنفيذ الخطوات الإستراتيجية التالية:
التمكين المؤسسي للردود العلمية: تكثيف دور الأزهر الشريف ومجمع البحوث الإسلامية ودار الإفتاء المصرية في إنتاج محتوى رقمي تفنيدي مرئي وموجز يتناول الشبهات الشائعة بأسلوب عصري يفهمه الشباب دون تقعيد معقد.
استحداث منصات تفكيك المغالطات التراثية: إنشاء مرصد متخصص يناقش التدوينات والمنشورات الأكثر انتشاراً على وسائل التواصل الاجتماعي، ويقدم ردوداً تفكيكية تعتمد على قواعد علم النقد التاريخي والمنهج الأصولي.
تطوير الوعي النقدي في الإعلام والتعليم: إدراج مادة المنهج النقدي للأفكار في مراحل التعليم الجامعي لتزويد الطلاب بأدوات فرز الأخبار، والموازنة بين النص وسياقه، ومواجهة الشائعات والمغالطات المنطقية على المنصات الرقمية.
الفصل بين حرية الرأي والتعدي على الأمن الفكري: التأكيد على التفرقة بين حق الباحثين في مراجعة التراث داخل المجلات العلمية المتخصصة وبين إشاعة الفوضى التشكيكية على المنصات الرقمية لغرض الإثارة وجلب التفاعل المبتذل.
الخلاصة
إن التجديد الحقيقي للخطاب الديني والفلسفي لا يُصنع بالتدوينات العاطفية المنساقة خلف إثارة الجدل، وإنما يتأتى عبر المؤسسية العلمية الرصينة، والالتزام بمناهج البحث الصارمة، واحترام العقل والوعي الجمعي، والتمييز الحاسم بين جوهر الشريعة الصافي وبين الاجتهادات والقراءات البشرية القابلة للنقد والمراجعة.
وحين تتكامل جهود المؤسسات الرسمية مع الوعي المجتمعي، تتحول أزمات التشكيك إلى فرص لترسيخ المفاهيم الصحيحة وتصحيح المسار المعرفي للأمة.
التعليقات الأخيرة