news-details
عرب

معارض الكتاب والمكتبات المحلية.. من يربح ومن يخسر؟ هل أصبحت المعارض الدولية بديلًا عن المكتبات، أم أننا بحاجة إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الناشر والقارئ؟

 


علي عمر جابر- ليبيا 

لعلّ الجميع يفرح بإقامة معرض دولي للكتاب في مدينته؛ فالمعرض يمثل مناسبة ثقافية ينتظرها القراء بشغف، وفرصة تتيح لهم الالتقاء، في مكان واحد، بمئات دور النشر القادمة من مختلف الدول العربية، والاطلاع على أحدث إصداراتها، واقتناء الكتب التي يبحثون عنها منذ مدة، دون عناء التنقل بين المكتبات، أو السفر إلى مدن أخرى بحثًا عن عناوين قد لا يجدونها.
ولا شك أن معارض الكتاب تؤدي دورًا مهمًا في تنشيط الحياة الثقافية، وتعزيز حركة النشر والتوزيع، وفتح آفاق التواصل المباشر بين الناشرين والمؤلفين والقراء. كما تمنح القارئ فرصة نادرة للاطلاع على عناوين كثيرة ومتنوعة، وتساعد الناشر على الوصول إلى جمهور أوسع في فترة زمنية محدودة.
لكن، بعيدًا عن هذه الصورة المشرقة، هناك وجه آخر يستحق أن نتوقف عنده، وأن نناقشه بجدية، وهو الأثر الذي تتركه هذه المعارض على المكتبات المحلية التي تعمل طوال العام على توفير الكتب للقراء، وتتحمل أعباء الإيجارات والتشغيل والتخزين، وتبذل جهودًا مستمرة في البحث عن الإصدارات الجديدة واقتنائها وتوزيعها.
فهل نحتفل بنجاح معارض الكتاب دون أن نسأل عن مصير المكتبات التي قد تدفع ثمن هذا النجاح؟

- ستة أشهر خارج حسابات السوق!
لنتأمل الأمر من زاوية اقتصادية وتسويقية بسيطة.
عندما يعلم القارئ أن موعد معرض الكتاب في مدينته يأتي في فترة محددة من كل عام، وأنه سيتمكن خلاله من الوصول مباشرة إلى مئات دور النشر، فإنه قد يؤجل شراء الكتب من المكتبات المحلية انتظارًا للمعرض، خصوصًا إذا كان يعتقد أنه سيجد فيه خيارات أوسع وأسعارًا أفضل.
وقد يبدأ هذا العزوف قبل موعد المعرض بنحو ثلاثة أشهر، مع اقتراب الحدث وتزايد الحديث عنه والإعلان عن موعده ومشاركة دور النشر فيه. وبعد انتهاء المعرض، لا يعود النشاط إلى المكتبات بالضرورة بصورة فورية؛ إذ قد يستغرق الأمر عدة أشهر أخرى حتى يستأنف القراء عاداتهم الشرائية المعتادة.
وبهذا، قد تجد المكتبات المحلية نفسها أمام فترة ركود تمتد إلى نصف عام تقريبًا، تتراجع خلالها حركة البيع، بينما تستمر التزاماتها المالية والتشغيلية دون توقف.
وهنا تكمن المفارقة: المعرض الذي يأتي لتنشيط سوق الكتاب قد يتحول، في ظل غياب التنظيم والتكامل، إلى عامل يضعف أحد المكونات الأساسية لهذا السوق.
ولا يعني ذلك أن كل معرض يؤدي بالضرورة إلى تراجع مبيعات المكتبات، أو أن جميع القراء يتوقفون عن الشراء منها خلال الفترة نفسها؛ فالأثر يختلف بحسب طبيعة السوق، وتوقيت المعرض، وسياسات التسعير، ونوعية الكتب المتاحة. لكن هذا الاحتمال يستحق الدراسة، خصوصًا في الأسواق التي تعاني أصلًا من ضعف القدرة الشرائية ومحدودية انتشار القراءة.

- عندما يصبح الانتظار عادة سنوية
المشكلة لا تتوقف عند حدود موسم واحد من الركود، بل قد تتجاوز ذلك إلى تغيير السلوك الشرائي للقارئ نفسه.
فمع تكرار التجربة عامًا بعد عام، قد يعتاد محب الكتاب انتظار موعد المعرض لاقتناء احتياجاته، ويصبح المعرض بالنسبة إليه الوجهة الأولى، وربما الوحيدة، للحصول على الكتب الجديدة، بينما تتراجع أهمية المكتبة المحلية في حساباته.
ومع مرور الوقت، تفقد المكتبة جزءًا من علاقتها اليومية بالقارئ، وتتراجع قدرتها على بناء قاعدة من الزبائن الدائمين، ويصبح استمرارها في السوق أكثر صعوبة.
والمكتبة ليست مجرد مكان لبيع الكتب؛ إنها فضاء ثقافي مفتوح، ونافذة يكتشف القارئ من خلالها عناوين لم يكن يبحث عنها أصلًا، ويلتقي فيها بالكتاب بعيدًا عن ضجيج المواسم، ويستطيع العودة إليها متى شاء، لا عندما يسمح له التقويم الثقافي بذلك.
كما أن المكتبات المحلية تؤدي دورًا لا تستطيع المعارض الموسمية أن تؤديه بالكامل؛ فهي حاضرة طوال العام، وقريبة من القارئ، وتوفر إمكانية اقتناء الكتب بصورة مستمرة، وتمنح الناشر منفذًا دائمًا لتسويق إصداراته، بدلًا من ربط فرص البيع بمواعيد محددة.

- هل تتحول المعارض إلى بديل عن المكتبات؟
في بعض الأسواق العربية، توسعت ظاهرة معارض الكتاب حتى أصبحت مدن عديدة تنظم معارضها الخاصة، وتتعدد المواسم التي ينتظرها القراء والناشرون.
وهذا التوسع قد يكون إيجابيًا من حيث نشر ثقافة القراءة وتوسيع فرص الوصول إلى الكتاب، لكنه يطرح سؤالًا مهمًا حول التوازن بين قنوات توزيع الكتاب.
فإذا أصبحت المعارض هي النافذة الرئيسية التي يعتمد عليها الناشر للوصول إلى القارئ، وإذا بات القارئ ينتظر المعرض للحصول على معظم احتياجاته، فما الذي سيبقى للمكتبات المحلية من دور؟
وإذا كانت المعارض تستقطب جمهورًا واسعًا خلال أيام محدودة، بينما تعاني المكتبات من تراجع الإقبال طوال أشهر، فهل يكفي أن نقيس نجاح المعرض بعدد الزوار وحجم المبيعات، دون أن ننظر إلى أثره في منظومة النشر والتوزيع بأكملها؟
إن نجاح سوق الكتاب لا ينبغي أن يُقاس بنجاح المعرض وحده، بل بقدرة جميع مكوناته على الاستمرار: الناشر الذي يستثمر في إصدار الكتب، والمكتبة التي توفرها للقارئ، والموزع الذي ينقلها إلى المدن والمناطق المختلفة، والمؤلف الذي ينتظر أن يجد لجهده الإبداعي طريقًا إلى القراء وعائدًا ماديًا من عمله.
فإذا ازدهرت قناة توزيع واحدة على حساب القنوات الأخرى، فإننا قد نكون أمام نجاح موسمي لا يعكس بالضرورة صحة السوق واستدامته.

- ماذا عن مسؤولية الدولة؟
هنا نصل إلى السؤال الأهم: ما الذي ينبغي أن تفعله الدولة والجهات المنظمة لمعارض الكتاب حتى تحافظ على المكتبات المحلية، وتضمن استمرارها بوصفها نوافذ للثقافة والمعرفة؟
لا أعتقد أن الحل يكمن في إيقاف المعارض أو الحد من انتشارها، فذلك سيكون خسارة ثقافية لا مبرر لها. كما أن حرمان القارئ من فرصة الوصول المباشر إلى دور النشر ليس حلًا مقبولًا.
الحل، في تقديري، يكمن في بناء علاقة متوازنة بين المعرض والمكتبة، بحيث يكون كل منهما مكملًا للآخر، لا منافسًا يسعى إلى إقصائه.
ويمكن التفكير في مجموعة من الإجراءات العملية، من بينها:
أولًا: إشراك المكتبات المحلية في المعارض الدولية. وذلك من خلال تخصيص مساحات للمكتبات الليبية، وتمكينها من عرض الكتب وتقديم خدمات البيع والتوزيع، أو إقامة أجنحة مشتركة بينها وبين دور النشر، بما يضمن ألا تقتصر الاستفادة من المعرض على الناشرين القادمين من الخارج.
ثانيًا: تنظيم العلاقة بين الناشر والمكتبة. من خلال تشجيع الاتفاقات التجارية التي تتيح للمكتبات المحلية الحصول على إصدارات دور النشر المشاركة بأسعار وشروط مناسبة، بما يساعدها على توفير الكتب نفسها التي يعثر عليها القارئ داخل المعرض، طوال العام.
ثالثًا: إطلاق برامج دعم للمكتبات المحلية. سواء من خلال شراء الكتب منها لتزويد المكتبات العامة والمدارس والجامعات والمراكز الثقافية، أو عبر برامج تمويل وتسهيلات تساعدها على مواجهة أعباء التشغيل وتطوير خدماتها.
رابعًا: توزيع الأنشطة الثقافية على مدار العام. بحيث لا تتركز الجهود الرسمية والإعلامية في الترويج لمعارض الكتاب وحدها، بل تمتد إلى المكتبات عبر تنظيم الندوات وحفلات التوقيع واللقاءات الأدبية، وإطلاق مبادرات القراءة وتشجيع زيارات الطلاب والباحثين إليها.
خامسًا: دراسة الأثر الاقتصادي للمعارض. من خلال جمع بيانات عن المبيعات، وحركة التوزيع، وأوضاع المكتبات قبل المعرض وبعده، حتى تصبح القرارات المتعلقة بتنظيم المعارض قائمة على معلومات واضحة، لا على الانطباعات وحدها.
سادسًا: تشجيع المكتبات على التحول الرقمي. ومساعدتها على تطوير خدمات الطلب الإلكتروني والتوصيل والتعريف بالإصدارات الجديدة عبر المنصات الرقمية، بما يتيح لها الوصول إلى القراء خارج حدود موقعها الجغرافي، ويمنحها فرصًا جديدة للمنافسة.

- هل حان وقت إغلاق المكتبات؟
قد يبدو هذا السؤال قاسيًا، لكنه ليس بعيدًا عن واقع قد تجد بعض المكتبات نفسها مضطرة إلى مواجهته إذا استمر تراجع الإقبال عليها، وارتفعت تكاليف تشغيلها، وغابت السياسات التي تساعدها على الاستمرار.
فإذا كان القارئ يستطيع الوصول إلى مئات دور النشر في معرض سنوي، وإذا كان الناشر يجد في المعرض فرصة مباشرة لبيع كتبه، وإذا كانت الجهات الرسمية تقيس نجاحها بأعداد المشاركين والزوار والمبيعات، فمن الذي سيتولى حماية المكتبات التي لا تغلق أبوابها بعد انتهاء المعرض؟
وهل ننتظر حتى تتراجع المكتبات وتختفي واحدة تلو الأخرى، ثم نكتشف أننا خسرنا شبكة ثقافية كانت تتيح للقراء الوصول إلى الكتاب طوال العام؟
إن إغلاق المكتبة لا يعني خسارة مشروع تجاري فحسب، بل يعني أيضًا اختفاء مساحة ثقافية من المدينة، وتراجع فرصة اكتشاف الكتاب خارج المواسم، وإضعاف حلقة مهمة من حلقات التواصل بين المؤلف والناشر والقارئ.
ومن المهم أن ندرك أن المكتبة لا تنافس المعرض في حجمه أو عدد العناوين التي يعرضها، بل تقدم خدمة مختلفة، تقوم على الاستمرارية والقرب والتخصص والقدرة على تلبية احتياجات القارئ في أي وقت.
ولذلك، فإن المحافظة عليها ليست مسؤولية أصحاب المكتبات وحدهم، بل مسؤولية ثقافية واقتصادية مشتركة.

- الكتاب يحتاج إلى سوق مستدامة، لا إلى مواسم متقطعة
إنني، من واقع عملي في مجال طباعة الكتاب الليبي ونشره وتوزيعه، أرى أن القضية لا تتعلق بالمفاضلة بين المعارض والمكتبات، ولا بالتقليل من أهمية الجهود المبذولة لتنظيم معارض دولية للكتاب في مدننا.
بل تتعلق بسؤال أوسع: كيف نبني سوقًا مستدامة للكتاب، يستطيع فيها الناشر أن يواصل النشر، والمؤلف أن يجد من يقدّر جهده، والمكتبة أن تحافظ على أبوابها مفتوحة، والقارئ أن يصل إلى الكتاب بسهولة طوال العام؟
فالمعرض، مهما اتسع حجمه وتعددت دور النشر المشاركة فيه، يظل حدثًا محدودًا بمدة زمنية، بينما تحتاج صناعة الكتاب إلى حركة مستمرة لا تتوقف بانتهاء أيام المعرض.
وإذا كانت الدولة حريصة على دعم الثقافة والقراءة، فإن عليها أن تنظر إلى المكتبات المحلية باعتبارها جزءًا من البنية التحتية الثقافية، وأن تعمل على تعزيز قدرتها على الاستمرار، بالتوازي مع دعم المعارض وتطويرها.
فهل نريد معارض كتاب ناجحة ومكتبات مزدهرة في الوقت نفسه، أم سنكتفي بالاحتفال بموسم الكتاب بينما تتراجع المساحات التي تحتضنه طوال العام؟
إن السؤال الذي أطرحه اليوم ليس دعوة إلى إغلاق المعارض، بل دعوة إلى ألا نصل إلى مرحلة تصبح فيها المكتبات المحلية هي الثمن الذي ندفعه مقابل نجاح تلك المعارض.
فالكتاب لا ينبغي أن يكون ضيفًا سنويًا في مدننا، بل رفيقًا يوميًا في حياتنا، ولا ينبغي أن تتحول المكتبة إلى ذكرى من الماضي، بينما ننتظر موعد المعرض القادم لنلتقي بالكتاب من جديد.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا