news-details
مقالات

الإفلاس الإعلامي في مصر: حين يستضيف الإعلام من لا يُمثّل المجتمع

الإفلاس الإعلامي في مصر: حين يستضيف الإعلام من لا يُمثّل المجتمع


تحقيق(مجدي عاطف الشهيبي)

لم تعد الأزمة الإعلامية في مصر مجرد تراجع في المحتوى أو قصور في المهنية بل وصلت إلى مرحلة من الإفلاس الفكري والاجتماعي باتت تهدد الوعي الجمعي وتشوّه صورة المجتمع المصري نفسه أحد أبرز مظاهر هذا الإفلاس هو الاعتماد المتكرر على استضافة شخصيات لا تُمثل المجتمع ولا تُعبر عن قيمه أو ثقافته بل كثيرًا ما تتناقض معها، في سعي محموم وراء "التريند" والمشاهدات دون أي اعتبار للمسؤولية المجتمعية أو الأخلاقية والمهنيه للإعلام.

الإعلام اليوم لا يعكس النماذج الناجحة بقدر ما يصنع نجوماً من الفراغ. أشخاص مجهولو التاريخ، محدودو الثقافة، بل وربما مثيرون للجدل بسلوكياتهم أو آرائهم المتطرفة، يتحولون إلى "ضيوف دائمين" على الشاشات، فقط لأنهم يصنعون حالة من الجدل والصخب. ويُروَّج لهم على أنهم "مؤثرون" و"رموز"، بينما في الحقيقة لا يملكون أي قيمة معرفية أو إنسانية تستحق هذا التقدير

وحين يتكرر ظهور هذه النماذج الهشة، يبدأ المشاهد  خاصة الأجيال الجديدة  في تبنّي صورة مشوّهة عن مجتمعه. يُختزل النجاح في الشهرة، ويُربط التأثير بالصوت العالي، وتُغيّب الرموز الحقيقية التي تعبّر عن النضال، والتفاني، والعلم، والاحترام، والالتزام الأخلاقي.
والأخطر أن هذه الصورة لا تبقى داخل حدود الوطن، بل تُصدر للعالم وكأنها وجه مصر الحقيقي، وهو ما يسيء لسمعة المجتمع بأسره.

في مصر آلاف القصص الملهمة: شاب مكافح بنى مشروعه من لا شيء، معلمة تفانت في خدمة طلابها في قرية نائية، عالم مصري حصل على براءة اختراع، طبيب يعمل في ظروف قاسية لخدمة المرضى... 
لكن هؤلاء لا يجدون طريقهم إلى البرامج التلفزيونية أو المنصات الإعلامية.
لماذا؟ لأنهم ببساطة لا "يصنعون تريند"!
وهنا تظهر المأساة: الإعلام لا يبحث عن الحقيقة أو القيمة، بل عن الجدل فقط.

البرامج الحوارية التي يفترض أن تكون ساحة للنقاش الحر والبنّاء أصبحت في كثير من الأحيان مساحات للضجيج والتفاهة والاستعراض ويتم إحضار شخصيات للحديث عن قضايا مجتمعية كبرى لا تملك عنها أي معرفة في حين يتم تجاهل المتخصصين والخبراء والمثقفين، فقط لأنهم لا يثيرون الجدل أو لأن حديثهم "ثقيل" على جمهور يبحث عن الإثارة لا عن الحقيقة.
وبالتالي تحوّل الإعلام إلى أداة لتمييـع القضايا لا توضيحها.

 أثر هذا الإفلاس على الوعي العام

عندما يتصدر الشاشة من لا يستحق يُصاب المجتمع بحالة من الخلل في منظومة القيم. يتراجع احترام العلم والثقافة، وتزداد الفجوة بين الإعلام والمواطن، ويشعر الناس بأنهم بلا صوت حقيقي يُمثلهم.
والنتيجة؟

ارتفاع معدلات السخرية من الإعلام وانتقال الجمهور إلى وسائل بديلة مثل السوشيال ميديا لكنها أيضا غير منضبطة، وتفتقر غالبًا للمصداقية

لابد ان يكون للإعلام دورا محوريا باعتباره ركيزة أساسية في بناء المجتمع وتوجيه الرأي العام نحو الإيجابية، والانتماء، والعمل

 أما الان فقد أصبح كثير من الإعلاميين مجرد أدوات في يد المال وفقدوا قدرتهم على التأثير الحقيقي، بل ساهموا في إفساد الذوق العام.

وأخيرا يأتي السؤال هل من أمل؟

نعم الأمل موجود لكن يتطلب إرادة حقيقية لإصلاح المنظومة الإعلامية تبدأ بإعادة الاعتبار لقيم المهنة وترسيخ مبدأ الكفاءة لا الشهرة وإعطاء الفرصة لأصحاب الفكر والرأي والمعرفة.
على الإعلام أن يعيد النظر في معاييره وأن يُدرك أن مسؤولية الكلمة لا تقل عن مسؤولية السلاح وأن رفع قيمة المجتمع لا يكون بتلميع من لا يستحق، بل بتسليط الضوء على من يصنع الفرق بصمت وشرف.

يمكنك مشاركته عبر

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا